هذا هو الموقف الذي يجب أن يتصدر جدول أعمال القوى المدنية أن يسارعوا للضغط على المجتمع الدولي لإنقاذ ملايين السودانيين من حفرة الهلاك ومقبرة الجوع التي يعيشون فيها، والذي هو أهم من إهدار الوقت بالمشاركة في هذه الورش العبثية!!
طيف أول:
للشمعة التي اختصرت رحلة الحياة،
للأنقاض التي تحلم أن تعود بيتاً عامراً..
وللسلام لا للحرب والمعاناة .
وفي السادس من أبريل من العام الماضي، تناولنا بالبحث الدعوة التي تقدمت بها منظمة “بروميديشن” الفرنسية للقوى السياسية، بعدما أطلقت المنظمة ووزارة الخارجية الفيدرالية السويسرية منصة حوار غير رسمية بين القوى السياسية السودانية الرئيسية، أُطلق عليها اسم “عملية نيون”. وقد وفرت هذه الاجتماعات مساحة لممثلي القوى السياسية السودانية للالتقاء في مكان واحد. وكانت المنظمة من قبل قد قدمت دعوة رسمية للحركة الإسلامية في السودان للمشاركة في مشاورات الدوحة، ووصلت الدعوة للمؤتمر الوطني ورفضها جناح أحمد هارون، فيما رحب بها جناح إبراهيم محمود.
وبالأمس كشفت “الشرق” من مصادرها عن اجتماعات موسعة لقوى سياسية ومدنية سودانية تُعقد في سويسرا، بمشاركة أطراف سودانية منها الكتلة الديمقراطية والتحالف المدني لقوى الثورة “صمود”، لبحث سبل إنهاء النزاع ووقف الحرب، وامتداداً لـ”مسار نيون”.
لكن فراغ مضمون الدعوة يأتي بسبب أن المواطن السوداني الآن يعيش ظلمات ثلاث ، إذ باغتته صدمة الجوع وضيق العيش مع سماء تتبارى فيها المسيرات، سبقتها أوقات من الضيق ما زالت ماثلة، تتمثل في انهيار تام للجنيه وانقطاع للكهرباء.
فهذا المواطن المغلوب الآن لا شك أنه لا يكترث لهذه الفعاليات المكررة، ولا يصله (من حظها نصيب).
فهذه الورش والفعاليات تحولت إلى لقاءات لا تُثمن ولا تُغني المواطن من جوع، فمنذ اندلاع الحرب، درجت المنظمة على تقديم دعواتها لمؤتمرات وورش للإسلاميين والقوى المدنية، فهي ليست لها أي هدف، ولا يعنيها من هو شريك الحرب أو شريك السلام، والمهم عندها أن يكون لها دور في نصب خيام هذه المؤتمرات لتغذية رصيد الجهد والإنجاز لديها في عملية المساهمة في وقف الحروب.
فهذه الفعاليات بلا شك لا تداوي أوجاع السودانيين الحقيقية، هذا إن لم ينظر إليها المواطن على أنها مجرد رحلات سياحية ترفيهية، سيما أن دعواتها تأتي لحشد شخصيات وأفراد فيما يسمى بـ”شخصيات وطنية” ، جلباب فضفاض ممكن أن يكون بمقاس نبيل أديب، أو نور الدين ساتي، أو التوم هجو، ولو استجاب أحمد هارون لكانت المنظمة في غاية السعادة!
المهم أنها تناقش قضية الحرب بذات المحاور المستهلكة، وتنتهي بذات التوصيات المعلبة.
فالتحركات الدولية الراهنة التي تلوح بهدن حقيقية وضغوط ميدانية، تعني بوضوح أن المجتمع الدولي نفسه بدأ يتجاوز هذه المهرجانات السياسية العقيمة.
كما أن الأطراف الدولية الفاعلة أدركت أن الحلول الحقيقية الآن لا تصنعها صالات هذه الورش التي تدار بلا تأثير.
أما الطامة الكبرى فتكمن في مشاركة الكتلة الديمقراطية، التي تُعد -بثلاثة أرباعها- شريكاً أساسياً في هذه الحرب وخراب البلاد، بينما يعمل “الربع الأخير” بأجندة تابعة لفلول النظام البائد. فقد أصبحت كتلة سياسية بلا وزن شعبي وبلا تأثير حقيقي، وباتت بالنسبة للسودانيين “ورقة محروقة” لم تعد تخطئها عيْن، ومشاركتها في أي منبر هي إعادة تدوير لفشل قديم.
لذلك، فإن استمرار هذه الاجتماعات والورش في سويسرا أو غيرها ليس سوى محاولات بائسة وتكريس لحالة العبث السياسي، ومحاولات ترقيعية و”مط للأزمات”. والأجدر بهذه القوى السياسية أن تتبنى القضايا المصيرية للمواطن؛ فقضية المجاعة اليوم أصبحت واقعاً معاشاً، وهذا هو الموقف الذي يجب أن يتصدر جدول أعمال القوى المدنية واهتماماتها، وأن يسارعوا للضغط على المجتمع الدولي لإنقاذ ملايين السودانيين من حفرة الهلاك ومقبرة الجوع التي يعيشون فيها، بدلاً من إهدار الوقت في “طقطقة” الفقاعات السياسية.
وأن تتبنى هذه التحالفات حملة وطنية ودولية عاجلة للضغط على الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإعلان السودان منطقة مجاعة رسمياً، مما يلزم المنظمات الدولية بتوفير ممرات إنسانية آمنة وعاجلة، وكذلك الضغط الفعلي على أطراف الصراع لتأمين إيصال المساعدات الإنسانية مباشرة إلى مناطق النزوح والولايات المنكوبة، وتشكيل لجان مراقبة مدنية لتوثيق حالات منع الإغاثة أو عرقلتها، وفتح قنوات اتصال مع المواطن الآن والاستماع لما يحدث في السودان، والعمل على توثيق حالات الموت جوعاً وانقطاع الكهرباء وتأثيراتها الكارثية على المستشفيات، ورفعها للمحافل الدولية العدلية كأدلة إدانة للضغط على الأطراف المتقاتلة.
إن المشاركة في هذه الورش في جنيف في هذا التوقيت بالذات، تمثل قطيعة تامة تفصل القوى المدنية كلياً عن أتون المعاناة الحقيقية التي يكتوي بنارها المواطن على الأرض.. كل ساعة وليس كل يوم.
طيف أخير:
#لا_للحرب
كشفت مواقع إخبارية عن إعفاء المصباح أبو زيد من منصبه كقائد كتيبة البراء بن مالك، مشيرة إلى أن صدور القرار جاء بالتزامن مع ترتيبات لإيفاده إلى الصين للمشاركة في برامج تدريب عسكرية متخصصة.
والحقيقة أن عملية إبعاد البراء بدأت منذ زياراته الإقليمية؛ إذ ترى دول عربية ضرورة إبعاده عن المشهد لتحسين صورة الجيش ونفي علاقته بهذه الكتائب. وعندما فشلت تلك المساعي، تحاول الآن “فصل الرأس” عن الجسد عبر مسرحية سمجة تتحدث عن إعفائه! فالقضية ليست فيما سيصبح ، بل القضية في من هو المصباح!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.