العائدون من المنافي.. حضرنا ولم نجد الوطن..!

​ تيسير المبارك

​حين يشتد ألم الغربة وتضيق أرض اللجوء بما رحبت، يظل حلم العودة إلى الديار هو الملاذ الأخير الذي يتشبث به الفارين من أهوال الحرب والكوارث. يرتسم الوطن في مخيلة المغترب والملاجيء كحضن دافئ يضم أوجاعه ويضمخ جراحه، غير أن الواقع الحقيقي المأساوي يخفي أحياناً صدمة أشد قسوة من الغربة نفسها؛ صدمة تجسدت اليوم في وجوه آلاف العائدين الذين حزموا أمتعتهم يحدوهم الأمل، ليصطدموا بالحقيقة المرة: “حضرنا ولم نجد الوطن!”.
​خيبة الأمل عند عتبة الديار
​لم تكن رحلة العودة خياراً رفاهياً، بل كانت فراراً من الجحيم إلى ما ظنوه الأمان. غير أن العائدين سرعان ما وجدوا أنفسهم أمام مشهد مغاير تماماً لتوقعاتهم. فالوطن الذي تركوه على أمل أن يجدوا فيه السكينة بعد طول غياب، استحالت ملامحه تحت وطأة الدمار الشامل والشلل التام في الخدمات الأساسية.
​شوارع تفتقد لأبسط مقومات الحياة، ومنازل إما طالتها أيدي الخراب أو باتت تفتقر للماء والكهرباء، وأسواق تسودها الضبابية والكساد. إن خيبة الأمل التي ارتسمت على وجوه الأطفال والأمهات فور وصولهم كانت كفيلة بإعادة رسم مفهوم “الوطن” في أذهانهم؛ فلم يعد ذاك المأوى الآمن، بل أرضاً غريبة تضاعف من معاناتهم.
​جحيم الأسعار وضائقة اقتصادية تتجاوز الاحتمال
​تزامن هبوط العائدين مع أزمة اقتصادية غير مسبوقة تضرب مفاصل الدولة. فالعائد الذي نفد مجمل ما يملكه من مدخرات شحيحة أُنفقت في رحلات الرحيل والتنقل، يجد نفسه اليوم محاصراً بغلاء معيشي يفوق طاقة أي عائلة.
​تدهور العملة المحلية، والارتفاع الخيالي في أسعار المواد الغذائية والدواء، وتكاليف السكن الباهظة، جعلت من تأمين “قوت اليوم” معركة يومية مضنية. لم يعد السؤال كيف نبدأ من جديد؟ بل كيف نبقى على قيد الحياة حتى الغد؟ وسط غياب كامل للمؤسسات الداعمة أو برامج الرعاية الاجتماعية التي تفترض مراعاة وضع العائدين القادمين من ظروف قاسية.
​الأبواب المغلقة.. احتجاز في الفراغ
​أمام هذا الجدار الصلب من الأزمات المتلاحقة، كان الخيار الطبيعي والبديل الاضطراري لدى الكثيرين هو التفكير في العودة مجدداً إلى دول اللجوء أو البحث عن ملجأ آخر يسع حلمهم البسيط. لكن حتى هذا المنفذ الأخير أُغلق في وجوههم بكيلون من حديد.
​فقد أدى تشديد الإجراءات الحدودية، وإغلاق المعابر، وتعقيد قوانين التأشيرات والإقامة في دول الجوار والدول المستضيفة، إلى وضع هؤلاء العائدين في مصيدة حقيقية. إنهم اليوم عاجزون عن التأقلم والصمود في أرض الوطن المنهكة، وفي الوقت نفسه ممنوعون من المغادرة والفرار مرة أخرى، ليصبحوا علقةً في منطقة رمادية قاتلة؛ لا هم قادرون على العيش بكرامة في بلدهم، ولا هم قادرون على الرحيل عنه.
​ختاماً
​إن أزمة “العائدين من المنافي” ليست مجرد أرقام تُذكر في التقارير الإنسانية، بل هي مأساة بشرية تتفاقم كل يوم في صمت. إن هؤلاء المواطنين الذين تحطمت أحلامهم عند عتبات ديارهم يحتاجون اليوم -قبل أي وقت مضى- إلى تدخل عاجل وخطة إسعافية تضمن لهم أبسط حقوق المواطنة، أو تحميهم من السقوط الحتمي في قاع الفقر والضياع. فهل من مجيب لنداء من عادوا بحثاً عن الوطن، فلم يجدوا إلا صدى آلامهم؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.