الانتحار الاخير لدولة 56 !!

شاكر الطيب يونس

لو أردنا أن نضع عنواناً واحداً لخطاب الكوز المتطرف ياسر العطا الأخير، لقلنا إنه “خطاب الانتحار الأخير لدولة 56”.
للملاحظ الى الخطاب ولغة الجسد يتاكد تماما انه خطاب انهزامي في ثوب عنتري.
المتابع للغة الجسد ونبرة الصوت والمفردات التي استخدمها ياسر العطا، يدرك تماماً أنه لا يتحدث من موقع القوة، بل من موقع الهزيمة النفسية. القائد المنتصر لا يهدد شعبه، ولا يتوعد المدنيين، ولا يشتم السياسيين. القائد المنتصر يتحدث بلغة الدولة والمؤسسات والسلام. أما خطاب العطا فكان خطاباً مليئاً بالشتائم، بالغضب، بالتوتر، وهذا في علم الخطاب السياسي يسمى “خطاب ما قبل السقوط”، صراخ عالٍ ليغطي على فراغ كبير.

الكارثة الكبرى التى يم يدركها العطاء أن العالم كله اليوم مجمع على كلمة واحدة: أوقفوا حرب السودان.
– الإدارة الأمريكية تطرح خارطة طريق للسلام.
– السعودية ومصر والإمارات تدعو لهدنة إنسانية.
– الاتحاد الأفريقي والإيجاد يقولان لا حل عسكري.
– حتى الشعب السوداني نفسه، في معسكرات النزوح واللجوء، يقول كفى حرباً.
في وسط هذا الإجماع العالمي والإقليمي والشعبي على السلام، يأتي ياسر العطا ليقول: “بل بس، حرب حتى آخر مواطن”. هذا ليس شجاعة، هذا انتحار سياسي، وعزلة دولية متعمدة، تضع ما تبقى من الجيش في مواجهة العالم كله.
بهذا نستطيع القول ان دولة 56 قامت على ثلاث ركائز: جيش يحتكر السلطة، نخبة نيلية تحتكر الثروة، ومركز مقدس يحتكر القرار.
وخطاب هذا المعتوه المتطرف تاكد هذه الركائز الثلاث انهارت تماما
اولا: الجيش انقسم وتشتت وأصبح مليشيات متعددة.
ثانيا :النخبة النيلية فقدت شرعيتها الأخلاقية بعد أن أشعلت الحرب وحرقَت الخرطوم.
ثالثا :المركز لم يعد مقدساً، فـ تأسيس وكل قوى الهامش أسقطت هذه القداسة إلى الأبد وطرحت سوداناً جديداً لا مركزي، علماني، ديمقراطي، فدرالي.
في تقديري فان قيادة الجيش الحالية بعنادها وخطاباتها الانفعالية، هي من تنتحر وتُنهي ما تبقى من دولة 56 بيدها. ترفض السلام، ترفض التفاوض، ترفض الاعتراف بالهزيمة، والنتيجة هي أنها تموت واقفة، كشجرة جافة تأبى أن تسقط.
بلا شك فان خطاب ياسر العطا لم يكن موجهاً للشعب السوداني ولا للمجتمع الدولي، كان موجهاً لفلول النظام البائد في بورتسودان ليقول لهم “أنا لا زلت معكم”، لكنه في حقيقة الأمر كان إعلان وفاة. الفلول ودولة 56 ماتت إكلينيكياً، وخطاب ياسر العطا هو شهادة الوفاة التي كتبها أحد قادتها بنفسه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.