في أقل من أسبوع أخطأت وزارة الخارجية للمرة الثانية: مقتل المرتزقة الأوكرانيين شأن يخص القوات المسلحة!!
بكري الصائغ
في يوم الأربعاء ٢٨/ أكتوبر الماضي ٢٠٢٦، كتبت مقال نشر بصحيفة “الراكوبة” تحت عنوان -“الفوضى في جهاز الخدمة المدنية: هل أصبحت وزارة الخارجية الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة؟!!”-، في هذا المقال هاجمت فيه أداء وزارة الخارجية التي أصبحت وبتعمد شديد لا تفرق في عملها كمؤسسة تهتم بالشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، والعلاقة بالشأن الذي يخص القوات المسلحة.
ففي يوم ٢٣/ أكتوبر الماضي، قام موقع “سونا” بنشر خبر تحت عنوان-““الخارجية: لا صلة للقوات المسلحة بحادثة سوق النعام بأبيي””، وجاء في الخبر- “أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بيانا صحفيا مساء أمس عبرت فيه عن أسف حكومة السودان البالغ لسقوط ضحايا مدنيين فيما زعم أنه ضربة بمسيرة في سوق النعام بمنطقة أبيي، وجددت تضامنها مع أسر الضحايا وتمنياتها للجرحى بعاجل الشفاء. وأكدت الوزارة بصورة قاطعة أنه لا توجد أي صلة للقوات المسلحة السودانية بهذه الحادثة المؤسفة، مشيرة إلى أنها تشبه الجرائم التي ما زالت المليشيا الإرهابية مستمرة في ارتكابها، كما فعلت في كادقلي بتاريخ 13 ديسمبر 2025، حين استهدفت معسكر قوات اليونيسفا، مما أدى إلى مقتل عدد من قوات حفظ السلام من الكتيبة البنغلاديشية واستهداف قوافل المساعدات الإنسانية .- انتهى-“.
قمت بالتعليق علي بيان وزارة الخارجية، وكتبت-“ما علاقة هذه الوزارة المدنية بالقوات المسلحة، وكلاهما جهازين مختلفين تمام الاختلاف في المهام والوظائف، وكل منهما عنده ناطق رسمي يتحدث باسمها، فمن أعطي الوزارة حق إصدار بيان يتعلق بالقوات المسلحة؟!!، وهل هناك قرار رسمي صدر من قبل وأعطي الخارجية الصلاحية في التكلم باسم القوات المسلحة؟!!، ولماذا تجاهل ان القوات المسلحة عندها العميد الركن/ عاصم عوض، هو الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، وهو المسؤول الأول والأخير في نشر او بث كل شيء يتعلق بالجيش، وله الحق رسميا في الإدلاء بتصريحات وإصدار البيانات العسكرية ، ولا يحق لأي جهة في جهاز الخدمة المدنية او غيرها من جهات أخرى في الدولة، حتى وإن كانت وزارة الخارجية حق التدخل في الشأن العسكري دون إذن.
كان الهدف من المقال السابق، لفت المسؤولين في السلطة الحاكمة، إلى الخلل الكبير والفوضى العارمة التي ضربت بقوة جهاز الخدمة المدنية والمؤسسة العسكرية والسلك الدبلوماسي، وكيف اختلط حابل عمل الوزارات بنابل القرارات والتوجيهات الرئاسية، وأصبح كل مسؤول كبير يملك الحق الكامل في إبداء رأيه وقراراته الفردية بعيدا عن الحكومة الانتقالية، وبل وحتي كبار الضباط والقادة العسكريين تخلوا عن انضباطهم، وأصبحوا يصرحون الصحف والمحطات الفضائية بتصريحات عسكرية ليس مكانها الصحافة والاعلام، بكل سهولة وبلا رقابة، نشرت الصحف والمواقع السودانية والأجنبية مئات مئات من التصريحات العسكرية، والتي ما كان يجب ان تنشر، لولا السبهللة والفوضى وانعدام الضبط والربط، بل والشيء الذي يثير الدهشة والاستغراب، ان الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة ، وعضو مجلس السيادة الانتقالي، ومساعد القائد العام للجيش السودان، هو من أشهر القياديين العسكريين بالقوات المسلحة في كشف خفايا وأسرار الخطط العسكرية السرية قبل تنفيذها، وكثيرا ما ادلي الصحف بتصريحات عسكرية كانت تحتها خطوط حمراء وغير قابلة للإعلان عنها.
كنت اعتقد ان المقال السابق ونقد وزارة الخارجية في تصرفاتها الخاطئة الكثيرة التي لا تتوقف وزادت عن الحد، قد يجد المقال شيء من الاهتمام، ولكن يبدو ان هذه الوزارة قد أصبحت واحدة من اكبر مهامها التدخل في الشأن العسكري، وأن وزارة الخارجية قد أصبحت هي الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة شاءت هذه المؤسسة العسكرية!!
في يوم الأحد ٣١/ أكتوبر الماضي ٢٠٢٦، نشرت صحيفة “الراكوبة”، خبر تحت عنوان-” الوزير محي الدين سالم: اعتقال مدربين أوكرانيين بكردفان ضمن صفوف الدعم السريع”، والخبر مفاده- “أعلن وزير الخارجية، محي الدين سالم، اعتقال الجيش السوداني عدداً من القناصة والمدربين الأوكرانيين، مشيراً إلى مصادرة كمية من الأسلحة، ومضيفاً: “لدينا أدلة قاطعة وأدلة مادية”، واتهم سالم، في تصريحات لوكالة “نوفوستي الروسية”، مدربين أوكرانيين بتدريب مقاتلي الدعم السريع على استخدام الطائرات المسيرة لشن هجمات على منشآت مدنية، قائلاً: “هؤلاء الأوكرانيون تحديداً يدربون مقاتلي المليشيات على استخدام الطائرات المسيرة لشن هجمات على منشآت مدنية بالسودان”. -أنتهي-
وهنا مجددا اسال وزير الخارجية محي الدين سالم، من اعطاك الحق في إصدار بيان بشان اعتقال مدربين أوكرانيين بكردفان ضمن صفوف “الدعم السريع”، وهو شأن يخص القوات المسلحة التي عندها ناطق رسمي يملك صلاحية الإدلاء بتصريحات صحفية وإصدار بيانات؟!!
واسأل الوزير، إذا كانت وزارة الخارجية تملك بالفعل معلومات حقيقة وموثقة عن اعتقال مرتزقة اوكرانيين، فما الذي من منع الوزارة من نشر صور هؤلاء المرتزقة الأوكرانيين في الصحف السودانية والإعلامية لإثبات صحة الاعتقالات، وقد سبق أن قامت الوزارة من قبل بنشر العديد من الصور لأنواع كثيرة من الأسلحة والآليات والمركبات الإماراتية التي غنمها الجيش من مليشيا الدعم، وقدمتها الوزارة لمنظمة الأمم المتحدة كدليل تدخل الإمارات في الحرب؟!!
نشر الأستاذ/ أبو نورة اوهاج، مقالة في موقع “سودانايل”، مقالة جاء فيها- وزارة الخارجية في السودان هي ‘بلا أدنى شك’ جهاز الدبلوماسية الوحيد في العالم الذي يرفض الحلول الدبلوماسية والسياسية ويراهن على الحسم العسكري الكامل!!، مع أن عمل جهاز الدبلوماسية و وزارات الخارجية هو تيسير الحلول السياسية والدبلوماسية و’الترويج لها’ أو علي الأقل انتظار الأجواء الملائمة لتقديمها، أي دبلوماسي في العالم ينتظر اللحظة التي تحرز فيها قوات بلاده العسكرية أقل تقدم ليقوم بترجمة ذلك التقدم إلى نصر سياسي ودبلوماسي في صيغة تفاهم مقبول من الطرف الآخر.. لكن ‘دبلوماسية الحرب’ جعلت هدفها هو عرقلة كل جهود الحلول الدبلوماسية أو فرص الهدنة وانتظار نصر مؤذر وحاسم وكاسح، يقضي على الخصم قضاء مبرم .. ما يعني أنه جهاز يبقى بلا عمل ولا وظيفة، في عرقلة التفاهمات وجهود الوساطة عمل يبرع فيه العسكريون وكل نشطاء الحرب والقوى السياسية ذات الأجندة العسكرية والحربية، فهو عمل لا يستحق أن يصرف عليه ملايين الدولارات (من امتيازات سفر وإقامة وبدلات ورواتب دبلوماسية!!)، وهذا ما ورثته بلادنا من حكم الإسلاميين الطويل؛ إذ جعلوا من الخارجية مجرد مهنة وجاهة اجتماعية وسفر و سياحة مجانية؛ ومهنة طول لسان وقلة احسان؛ كما يقوم به سفير سلطة الحرب لدى الأمم المتحدة (سفير كليب)!!
أخيرا، بمنتهي الصراحة أقول، ان أداء الوزارة أصبح يتسم بالفوضى العارمة، وتحتاج عاجلا وبصورة سريعة الي إعادة النظر بجدية واهتمام في إيجاد علاج لإنهاء ممارساتها الخاطئة التي تزداد كل يوم اكثر عدد، وان يتم تأهيل كل الدبلوماسيين والعاملين في الحقل الدبلوماسي لتنمية المهارات وزيادة الخبرات عبر دورات تعليمية مكثفة ودراسات عليا و”دروس عصر”، وأن يتم الفصل بين عمل الوزارة وعمل القوات المسلحة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.