حكومة بورتسودان تتفكك..

​ نورا عثمان

لم يعد خافياً على أحد أن المشهد السياسي والإداري في السودان يتداعى تدريجياً نحو حافة الهاوية. فمنذ اندلاع الحرب اللعينة في منتصف أبريل 2023، وما رافقها من تمركز لمركز القرار الحكومي في مدينة بورتسودان شرقي البلاد، تعهدت السلطة هناك بإدارة الدولة وتسيير عجلة الحياة في ظل ظروف بالغة التعقيد. غير أن الواقع المعيشي والميداني يثبت يوماً بعد يوم أن “حكومة بورتسودان” باتت تقف على أرضية مهزوزة، تتجاذبها أزمات كبرى تنذر بتفكك كامل لمنظومتها الإدارية والسياسية.
​ضائقة اقتصادية خانقة وشلل مالي كامل
​تتصدر الضائقة الاقتصادية قائمة التحديات التي تعصف بالحكومة، حيث تحولت حياة المواطن السوداني إلى جحيم لا يطاق. ومع تدمير البنية التحتية، وخروج القطاع الصناعي والإنتاجي عن الخدمة في معظم ولايات السودان، تهاوت قيمة العملة الوطنية (الجنيه السوداني) إلى مستويات قياسية غير مسبوقة أمام العملات الأجنبية.
​هذا الانهيار المالي أدى إلى عجز تام في تغطية النفقات الأساسية للدولة، على رأسها دفع رواتب الموظفين الحكوميين والعاملين في قطاع الصحة والتعليم لأشهر طويلة. ومع غياب الموارد السيادية الحقيقية واعتماد الخزينة العامة على جبايات مؤقتة ومحدودة، تفقد الحكومة تدريجياً قدرتها على أداء أبسط وظائفها، مما خلق شعوراً عاماً بالعجز وفقدان الثقة الشعبية.
​جحيم الحرب واستنزاف الموارد
​تستنزف الحرب الدائرة القدرات المحد أصلاً للحكومة؛ إذ تبتلع المجهودات العسكرية النصيب الأكبر من الموارد المالية المتاحة على حساب القطاعات المدنية والخدمية. ومع اتساع رقعة المواجهات وغياب الأفق السياسي للحل السلمي، تجد السلطة في بورتسودان نفسها محاصرة بين التزاماتها العسكرية الملحّة وضغوط انهيار الجبهة الداخلية.
​هذا الاستنزاف المستمر لم يؤدِ فقط إلى إضعاف قبضة الدولة الأمنية والإدارية، بل غذّى أيضاً الانقسامات الباطنية وصراعات النفوذ داخل أجنحة السلطة نفسها، حيث يسعى كل طرف لحماية مصالحه وسط سفينة تغرق تدريجياً.
​الحصار الدبلوماسي والعزلة الدولية
​على الصعيد الخارجي، تواجه حكومة بورتسودان عزلة متزايدة وحصاراً دبلوماسياً غير معلن يعمق من أزمتها. فمعظم العواصم الإقليمية والدولية تنظر إلى هذه الحكومة باعتبارها طرفاً في نزاع ممتد، وفشلت في تقديم رؤية سياسية شاملة لوقف الحرب أو إطلاق عملية انتقال ديمقراطي حقيقية.
​هذا الجمود الدبلوماسي أدى إلى إغلاق أبواب المساعدات الخارجية والدعم المالي المباشر، وحرم الخرطوم (ومن تبعه في بورتسودان) من الغطاء الدولي اللازم لإنعاش الاقتصاد أو إعادة الإعمار، لتجد الحكومة نفسها معزولة في محيط إقليمي ودولي يطالب بتغيير الجذور وإيجاد صيغة حكم بديلة تعبر عن تطلعات كل السودانيين.
​شبح المجاعة يطرق الأبواب
​ولعل الكارثة الأكبر التي تهدد ما تبقى من شرعية لهذه الحكومة هي شبح المجاعة المحدق بملايين السودانيين. فالتقارير الأممية والدولية تتوالى محذرة من كارثة إنسانية غير مسبوقة جراء انعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين في مختلف مناطق السودان.
​حين يعجز المواطن عن تأمين قوت يومه، وتجوب المجاعة قرى ومدناً بأكملها، تسقط المبررات السياسية كافة. إن عجز حكومة بورتسودان عن توفير ممرات صالحة لإيصال الغذاء والدواء، أو وضع خطط إسعافية لإنقاذ الجياع، يضعها وجهاً لوجه أمام غضب شعبي عارم قد لا تقوى على احتوائه.
​تفكك حكومة بورتسودان لم يعد مجرد تكهنات تحليلية، بل هو مسار واقعي تتسارع وتيرته تحت وطأة الاقتصاد المنهار، وأتون الحرب المستعرة، والعزلة الدولية، والأزمة الإنسانية الكارثية. وإن لم تدرك القيادة هناك خطورة المرحلة وتتبنى مراجعات جذرية تجمع ولا تفرق، فإن التاريخ لن يرحم من فرّط في وحدة ما تبقى من كيان الدولة السودانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.