البرهان لا يزال تائهاً.. والحضن الروسي لا يدفئ

يوسف عزالدين

ذهب البرهان إلى روسيا وهو يظن أن الثلج يدفئ، متناسياً أن الروس لا يعرفون سوى لغة المصالح، ولا يقدمون الدعم مجاناً، ولا يعترفون بشرعية من يفتقر إلى الشرعية الشعبية.

 

ذهب البرهان إلى موسكو مستنجداً، لا من أجل حماية الشعب السوداني الذي يموت جوعاً وقصفاً، بل لحماية نفسه وزمرته. إنه السيناريو نفسه الذي شهده بشار الأسد عندما ضاقت به دمشق، فلجأ إلى بوتين، كما لجأ البشير إلى موسكو عندما ضاقت به الخرطوم. والآن يسير البرهان على النهج ذاته، معتقداً أن النتائج ستكون مختلفة، رغم فشل التجارب السابقة.

 

ماذا تريد روسيا من السودان؟ بالنسبة إلى موسكو، لا يمثل السودان سوى منجم ذهب مفتوح، وموقع استراتيجي لإقامة قاعدة بحرية على البحر الأحمر، وورقة للمساومة مع الغرب. فروسيا لا تدعم البرهان حباً في الزي العسكري، وإنما تسعى إلى تحقيق مصالحها والحصول على مقابل. ويتمثل هذا المقابل في تنازلات سيادية، لم يجرؤ حتى البشير على تقديمها كاملة، من بينها إقامة قاعدة عسكرية روسية في بورتسودان، ومنح امتيازات واسعة للشركات الروسية في قطاع الذهب، إلى جانب الاصطفاف مع موسكو في التصويت داخل الأمم المتحدة.

 

هل ستمنح روسيا البرهان ما يريد من دون مقابل؟ الإجابة لا. وهل يستطيع البرهان دفع هذا الثمن من دون أن يخسر ما تبقى له من قبول محلي ودولي؟ الإجابة أيضاً لا.

 

فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع البرهان بوصفه رئيساً منتخباً، بل قائداً لسلطة أمر واقع، لا تسيطر على كامل الأراضي السودانية، ولا تستطيع توفير الكهرباء والمياه والدواء للمواطنين. يذهب إلى موسكو طالباً الاعتراف والدعم، بينما تبحث روسيا عن شريك قوي قادر على حماية مصالحها، لا عن جنرال يواجه أزمات متفاقمة ويتنقل بين مراكز السلطة.

 

ومن الذي يدفع البرهان نحو المعسكر الروسي؟ ليست الإمارات، كما يروج أنصار النظام السابق، بل هي الزمرة الإسلامية ذاتها التي دفعت البشير إلى الارتماء في أحضان روسيا وإيران، بعدما تراجعت علاقاته مع القوى الدولية. ويعتقد هؤلاء أن موسكو قادرة على حمايتهم من ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية والعقوبات، متناسين أن روسيا نفسها غارقة في حرب أوكرانيا، وتواجه عقوبات دولية، وتبحث عن تعزيز مواردها ونفوذها، لا عن تحمل أعباء إنقاذ الآخرين.

 

احتفى أنصار النظام السابق بالصور التي ظهر فيها البرهان داخل الكرملين، واعتبروها دليلاً على كسر العزلة الدولية. لكن أي عزلة كُسرت؟ هل عادت الكهرباء؟ هل توقف القصف بالطائرات المسيّرة؟ هل اعترفت الأمم المتحدة بحكومته؟ لا شيء من ذلك حدث. كل ما جرى صور بروتوكولية وتصريحات عن تعاون عسكري وتقني، لا تعني بالضرورة أن موسكو ستقدم دعماً عسكرياً مجانياً، أو أنها مستعدة لتحمل كلفة الأزمة السودانية.

 

لم تحل الزيارة أزمة البرهان، بل قد تزيد من تعقيدها، إذ إن الارتماء في الحضن الروسي في هذا التوقيت قد يضيّق هامش تحركه الدبلوماسي ويضعه أمام ضغوط دولية إضافية.

 

فواشنطن وبروكسل تراقبان أي صفقات تسليح محتملة مع موسكو، وأي تحرك في هذا الاتجاه قد يفتح الباب أمام عقوبات إضافية تطال المنظومة المالية الهشة في بورتسودان، ويزيد من عزلة السودان، ويهدد ما تبقى من فرص التمويل الإنساني والتنموي.

 

والأخطر أن روسيا نفسها لا تملك بالضرورة ما يروّج له أنصار النظام السابق. فموسكو مستنزفة في حرب أوكرانيا، وتتحمل أعباء عسكرية واقتصادية كبيرة، ولن تمنح البرهان منظومات دفاع جوي متطورة، مثل «إس-400»، أو مقاتلات «سوخوي-35»، من دون مقابل. وهذا المقابل لا يقتصر على المال، بل قد يشمل ترتيبات استراتيجية تتعلق بقاعدة عسكرية على البحر الأحمر، وامتيازات في قطاع الذهب، وتسهيلات لشركات روسية، وهي تنازلات قد تثير اعتراضات داخلية واسعة، في ظل الانقسامات السياسية والعسكرية ومخاوف التفريط في السيادة الوطنية.

 

باختصار، موسكو تبيع ولا تهب، والبرهان يحاول شراء الدعم بثمن من السيادة الوطنية لا يملك وحده حق التصرف فيه.

 

لقد أخفقت الزيارة في تحقيق ما يطمح إليه البرهان، قبل أن تتضح نتائجها العملية، لأن العلاقات الدولية لا تُبنى على الصور البروتوكولية وحدها، ولا تمنح الشرعية بمجرد الزيارات والتحالفات. فالشرعية السياسية تستند إلى إرادة الشعب، ولا يتحقق القبول الشعبي من دون إنهاء الحرب وتوفير الخدمات الأساسية وتهيئة الطريق أمام انتقال سياسي حقيقي.

 

والبرهان، حتى الآن، لا يملك أياً من هذه المقومات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.