الأزمة الاقتصادية الخانقة في السودان وإصرار (بورتسودان) على تمويل الحرب

تقرير | عين الحقيقة

تتآكل الاقتصادات الوطنية بفعل الحروب عادةً، لكن ما يدור في السودان اليوم يتجاوز حدود التراجع الاقتصادي التقليدي ليرتقي إلى مستوى “الانهيار الهيكلي الممنهج”. وفي وقت تعاني فيه البلاد من أسوأ كارثة إنسانية ومعيشية في تاريخها الحديث — تتصدرها مجاعة وشيكة، وشح تام في السيولة، وتضخم فلكي — تواصل سلطة بورتسودان إدارة ظهرها لوجع ملايين المواطنين، متمسكةً بخيار إطالة أمد الحرب وكأنها بمعزل عن جحيم الواقع المعيشي الذي يعتصره الجوع والعطش وانعدام الخدمات.

مقصلة الانهيار المعيش

ي
تشير المؤشرات الميدانية والتقارير الاقتصادية المتطابقة إلى أن العاصمة الخرطوم وعددًا واسعًا من الولايات باتت تئن تحت وطأة أزمة خانقة تقود حثيثاً نحو المجاعة. ولا يقتصر الأمر على شح السلع الغذائية الأساسية فحسب، بل يتغذى هذا الانهيار على ث ثلاثي مميت: شح السيولة النقدية: تبخرت السيولة من أيدي المواطنين تماماً، وتحولت المعاملات اليومية إلى جحيم رقمي معطل يعجز الزول البسيط عن فك طلاسمه، بينما تتقاذف المصارف والبنوك عجزها وسط غياب أي خطط طوارئ مالية حقيقية.

جنون الصرف والعملات: تهاوى الجنيه السوداني بصورة مروعة أمام الدولار الأمريكي، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الاستهلاكية والأدوية المنقذة للحياة، حتى بات شراء رغيف الخبز أو حبة دواء مريض مزمن رفاهية لا تطيقها الميزانية المعدومة للأسرة السودانية.

شلل الخدمات الأساسية: تعيش مناطق واسعة في ظلام دامس إثر قطوعات الكهرباء المتكررة والمستمرة التي تخنق الأنفاس، بالتزامن مع أزمة عطش خانقة وانقطاع تام لشبكات المياه والمرافق الصحية، مما جعل الحياة في المدن تشبه العيش في سرادق للموت البطيء.

الهروب إلى الحرب

في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الملايين متسائلة بحرقة: «إلى متى يعاني المواطن السوداني؟ وما فائدة سلطة لا تقدم ماءً ولا كهرباء ولا صحة ولا تعليم؟»، تختار القيادة في بورتسودان السير في الاتجاه المععکس تماماً. فعوضاً عن توجيه الموارد الشحيحة لتأمين الغذاء، وصيانة محطات المياه والكهرباء، ودفع رواتب العاملين والمستضعفين، تستنزف السلطة ما تبقى من مقدرات البلاد في محاولات مستميتة لاستقطاب الدعم العسكري والسياسي لمواصلة الحرب. إن الرهان على “الحسم العسكري” بات ورقة خاسرة ومفضوحة؛ فالجهد المالي واللوجستي يُسخَّر لإطالة أمد الصراع، متجاهلين تماماً الإجماع الدولي والإقليمي الصارم على أن لا حل عسكرياً في السودان، وأن استمرار القتال جريمة إنسانية لا يمكن تغطيتها.

التجويع الممنهج كأداة سياسية

إن تتبع آليات إدارة الأزمة الاقتصادية يكشف عن سياسة “تجويع ممنهج” تفرضها واجهات بورتسودان وتجار الحروب. فالأسر السودانية التي شرّدتها الحرب تجد نفسها اليوم مجبرة على الاختيار بين دفع أثمان الإيجارات وشراء الطعام، أو توفير العلاج للمرضى في مستشفيات بلا كوادر ولا أدوية.

هذا التقاعس الحكومي المتعمد يعكس قطيعة كاملة بين سلطة منفصلة عن الواقع تتربع في فندق ومقاعد وثيرة، وبين شعب يعاني الأمرين تحت نيران القصف وجوع الحصار. إن بقاء هذه الحكومة العاجزة والفاشلة لا يعني سوى استدامة المأساة، وتحويل عودة النازحين إلى مرحلة جديدة من العوز والتشرد والمهانة. الأزمة الاقتصادية الراهنة في السودان ليست مجرد تداعيات طبيعية للحرب، بل هي نتيجة مباشرة لإصرار قوى “الدولة العميقة” وفلول النظام البائد على استعادة نفوذهم عبر تدمير ما تبقى من أركان الوطن.
إن إصرار بورتسودان على مواصلة الحرب وتجاهل صرخات الجياع سيقود البلاد حتماً إلى نقطة اللاعودة، حيث لن تنجو سلطة من غضب الشارع وثورة الجياع القادمة. فالتاريخ لا يرحم من تاجر بأرواح شعبه، والدماء المسفوكة والبيوت المظلمة ستظل تطارد كل من اختار صف الحرب على حساب كرامة واستقرار الإنسان السوداني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.