المواطن.. أين المجاعة.. أين الكيماوي؟

محمد صالح محمد

خبراء-أمميون-يحذّرون-من-توسّع-خطر-المجاعة-في-شمال-دارفور-مع-تصاعد-النزوح-والمعارك خبراء أمميون يحذّرون من توسّع خطر المجاعة في شمال دارفور مع تصاعد النزوح والمعارك
في جغرافيا الصمت والرماد:
حين ترتد العبارات إلى أعماق الذاكرة السودانية المكلومة، لا تفتأ تطالعنا تلك الوجوه المتربة والعيون الغائرة التي تشبه خرائط الجفاف، تبحث عن معنى للألم في وطن أُثخن بالطعنات من أبنائه قبل خصومه.
إن ما يمر به السودان اليوم ليس مجرد حرب عابرة تُقاس بخسائر البنى التحتية أو السيطرة العسكرية، بل هو انهيار صامت لكيان كامل، وسقوط مدوٍ لأخلاق الدولة وهي تتفرج على أبنائها وهم يُطحنون بين رحى الجوع، وأنياب التقارير عن الأسلحة والسموم.
وسط هذا الحطام، يرتفع السؤال الحارق الذي يتهرب منه الجميع: أين المجاعة؟ وأين الكيماوي؟.. ليس استنكاراً لوجودهما، بل صرخة استهجان في وجه “سياسة الإنكار” الممنهجة التي تديرها عقلية أدمنت الهروب إلى الأمام، ورفضت دوماً الاعتراف بالفشل، لتغرق في وحل المؤامرات الوهمية وشماعة “الخونة والعملاء واستهدف السودان”.
سياسة الإنكار.. عقلية الإمبراطوريات الوهمية
منذ اللحظات الأولى لاندلاع هذه الحرب اللعينة، برزت ملامح خطيرة تعكس طبيعة الفكر الذي يحكم العقلية السياسية المهيمنة على مفاصل القرار والأيديولوجيا؛ فبدلاً من الاستجابة الفورية لأنين الملايين وتحمل المسؤولية الأخلاقية والتاريخية، انطلقت آلة الإنكار والتبرير بوتيرة محمومة.
إنها عقلية “لا شيء يدعو للقلق” العقلية التي طالما نظرت إلى حقائق الواقع بعين الاستعلاء والمكابرة. فعندما تنبأت المنظمات الدولية والأممية باجتاح شبح المجاعة لمناطق واسعة في دارفور وكردفان والجزيرة، وجدنا المسؤولين والمنظرين يتفننون في تكذيب الأرقام، واعتبار تقارير المنظمات الدولية مجرد “أجندات استعمارية” أو “مؤامرات لتركيع البلاد”.
إن إنكار المجاعة لا يقل شناعة عن ارتكابها؛ فهو تواطؤ ناعم مع الموت، وتجويع مقصود للبسطاء عبر حجب المساعدات، ومنع القوافل الإنسانية بحجج أمنية واهية. وكأن المواطن الذي يقتات على أوراق الشجر في بعض الجوانب النائية، أو الذي يموت أطفال بين يديه من سوء النغذية الحاد، مجرد رقم في نشرة وهمية لا تستحق الالتفات!
أين الكيماوي؟.. وحش الظل الذي يخشى النور
ولم تتوقف المأساة عند حدود الجوع الممنهج، بل تعدتها إلى ما هو أدهى وأمر؛ حيث تلاحقت الشهادات والتقارير الميدانية التي تتحدث بلغة الهمس – ثم تعلو بالتدريج – عن استخدام أسلحة محرمة دولياً، ومواد سامة وكيماوية في بعض مسارح العمليات.
هنا، يرتفع السؤال الرهيب: أين الكيماوي؟.. أين التحقيقات المستقلة؟ وأين الحقيقة المغيبة تحت ركام البيانات العسكرية المضللة؟
الواقع السياسي السوداني اليوم يتعامل مع هذه الاتهامات الخطيرة بلغة الصمت المريب، أو ببيانات نفي سريعة مصاغة بعناية لذر الرماد في العيون. فبدلاً من تشكيل لجان تحقيق دولية ووطنية شفافة لإثبات البراءة أو معاقبة المجرمين، يتم التعامل مع الملف باعتباره “استهدافاً سياسياً”، وكأن أرواح المدنيين وأجسادهم المحروقة أو المتسممة مجرد تفاصيل هامشية في معركة البقاء على الكراسي. إن التهرب من فتح ملف استخدام الأسلحة المحرمة يعكس هروباً جباناً من مواجهة الجرائم الكبرى التي تُرتكب بحق الشعب السوداني الأعزل.
شماعة التخوين.. الشماعة الأبدية لتعليق الفشل
حين تعجز النخبة الحاكمة – عسكرية كانت أم مدنية، قديمة أم متجددة – عن إدارة الأزمات، أو حين تفشل ذراعها في حماية المواطن وتوفير لقمة العيش والأمن، تلجأ فوراً إلى الملاذ الأخير لكل عاجز: شماعة التخوين واستهداف السودان.
أصبح كل صوتطالب بالخبز، وكل قلم حذر من المجاعة، وكل باحث عن الحقيقة فيما يخص الأسلحة المستخدمة، يُصنف تلقائياً في خانة “العملاء والخونة وأعداء الوطن”. لقد تم تفصيل هذه الاسطوانة المشروخة لتناسب كل مقاسات الفشل؛ فكل هزيمة عسكرية هي “مؤامرة كونية”، وكل تفشي للأوبئة والجوع هو “استهداف خارجي”، وكل مطالبة بالعدالة والمساءلة هي “طعن في الظهر”.
هذه العقلية الرافضة للاعتراف بالخطأ جعلت من السودان رهينة لحروب عبثية لا تنتهي، حيث تستهلك السلطة طاقتها في تخوين الآخرين واختراع الأعداء، بينما تترك المواطن يواجه مصيره المظلم وحدها. إنها عقلية لا تبني وطناً ولا تحمي أرضاً، بل تدير الانهيار ببراعة مذهلة، وتحول المأساة الإنسانية إلى مادة للاستقطاب السياسي الرخيص.
متى يفيق الضمير السوداني؟
إن استمرار سياسة الإنكار والهروب إلى الأمام لن يؤدي إلا إلى تفتت ما تبقى من هذا الوطن الجميل. إن المجاعة واقع ماثل لا يخطئه العين، والأسئلة المتعلقة بالكيماوي والانتهاكات الجسيمة مشروعية ولا يمكن إسكاتها بشماعة “الخونة والعملاء”.
السودان اليوم بحاجة إلى شجاعة نادرة؛ شجاعة الاعتراف بالخطأ، والوقوف بصدق أمام المرآة لنزع أدران الفشل السياسي والأخلاقي. فالمواطن السوداني الذي يتحمل وزر هذه الحرب المجنونة لا يهمّه من هو المخطئ ومن هو المصيب في نظريات المؤامرة، بقدر ما يهمه ألا يموت جوعاً، وألا يُباد غيلةً بسلاح محرم، وألا يُعامل كعدو في وطنه. إن لم تفقِ هذه العقلية من غيبوبتها وتستعد لوقف هذه المحرقة، فلن يتبقى سودان نُحارب من أجله، ولن نجد وطناً نعود إليه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.