أزمة السودان تكشف ضعف الاتحاد الأفريقي.. انحياز، قصور في الآليات، وغياب للحياد

تقرير - عين الحقيقة

مع استمرار الأزمة السودانية في التفاقم منذ اندلاع الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023، تتجه الأنظار إلى المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالأمن والسلم في أفريقيا، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، الذي يبدو أن قدرته على لعب دور الوسيط المحايد والمنقذ في هذه الأزمة باتت موضع شك واسع، بل وانتقاد مباشر من قبل خبراء حقوقيين، ودبلوماسين وأكاديميين في الشؤون الدولية. وعن تقاعس الاتحاد الأفريقي إزاء الأزمة السودانية، وجه المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان رشيد مسبل انتقادات لاذعة للاتحاد واصفاً أداءه بالمنحاز وغير المهني في تعامله مع الملف السوداني.

مدافع عن حقوق الإنسان ل‐عين الحقيقة: هذا النهج لا يتوافق مع دور المنظمة كوسيط، بل يضعها في موضع الخصم، وهو ما من شأنه أن يقوض أي محاولات للسلام العادل والمستدام

وفي ضوء ذلك، أبان مسبل أن المنظمة القارية فقدت كثيرًا من مصداقيتها بسبب ما وصفه بـخضوعها لتأثير بعض الدول ذات الأجندات الخاصة، معتبرًا أن الاتحاد لم يعد يمثل الشعوب بقدر ما يعكس مصالح سياسية ضيقة. وبدوره، يواصل المحامي مسبل في انتقاده للاتحاد الأفريقي قائلا: يُفترض أن يكون جزءًا فاعلًا في المجتمع الدولي، بات في الآونة الأخيرة أداة في يد بعض الدول التي تحركه وفق أهوائها، منوهًا إلي أن ما يحدث اليوم بشأن أزمة السودان من قبل الاتحاد الأفريقي هو انحياز واضح لأطراف معينة، وليس سعيًا حقيقيًا نحو حل جذري وشامل.

أكد المدافع عن حقوق الإنسان ل‐عين الحقيقة، أن هذا النهج لا يتوافق مع دور المنظمة كوسيط، بل يضعها في موضع الخصم، وهو ما من شأنه أن يقوض أي محاولات للسلام العادل والمستدام. وتابع: للأسف، لم ينجح الاتحاد الأفريقي تاريخيًا في لعب دور حاسم في أي من النزاعات الكبرى في القارة دون أن يُتهم بالتحيز أو المساومة، والسودان ليس استثناءً. وفي سياق متصل بدور الاتحادالأفريقي حيال الازمة السودانية، حذر أستاذ في العلاقات الدولية بإحدى الجامعات السودانية فضل عدم الكشف عن اسمه من ضعف القدرات التنفيذية للاتحاد الأفريقي، مؤكدًا أن المنظمة القارية تفتقر إلى الموارد البشرية والمالية الكافية للتعامل مع أزمات كبرى بحجم ما يحدث في السودان.

استاذ العلاقات الدولية لصحيفة” عين الحقيقة”، إن الاتحاد الأفريقي لا يملك آليات مستقلة تُمكنه من إرسال بعثات لتقصي الحقائق أو لحفظ السلام بشكل فعال

وقال استاذ العلاقات الدولية لصحيفة” عين الحقيقة”، إن الاتحاد الأفريقي لا يملك آليات مستقلة تُمكنه من إرسال بعثات لتقصي الحقائق أو لحفظ السلام بشكل فعال، دون شراكة حقيقية وقوية مع الأمم المتحدة أو قوى دولية أخرى، مضيفًا”: هذا ما يجعل تدخله غالبًا رمزيًا أو متأخرًا، لا يرقى إلى تطلعات الشعوب في الحلول السريعة والناجعة.
ولفت إلى أن الكثير من الدول الأعضاء داخل الاتحاد تخضع لتحالفات ومحاور إقليمية ودولية متشابكة، ما يُضعف من استقلالية القرار السياسي داخل المنظمة، ويجعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة أو القيام بأدوار حقيقية في النزاعات الأفريقية المتعددة، لا سيما في ظل التداخلات الدولية في الملف السوداني.
ورغم الانتقادات الموجهة للاتحاد، لم تغب المقارنات مع منظمة الإيغاد‐ الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا، والتي يرى مراقبون أنها أظهرت مرونة وفاعلية نسبية في عدد من الأزمات، أبرزها في جنوب السودان.
ومن جهته، أفاد أستاذ العلاقات الدولية أن منظمة الإيغاد، رغم محدودية صلاحياتها مقارنة بالاتحاد الأفريقي، تمكنت من تحقيق اختراقات مهمة في إدارة بعض النزاعات، ويعود ذلك بالأساس إلى الدعم المباشر والفعال الذي تتلقاه من شركاء دوليين مثل الولايات المتحدة والنرويج وألمانيا وبريطانيا.
وأضاف: حتى الاتحاد الأفريقي نفسه، في أكثر من مناسبة، اضطر إلى الاستفادة من مبادرات الإيغاد، ما يعكس خللاً كبيرًا في توزيع الأدوار والفعالية بين المنظمات الإقليمية في القارة.

رشيد مسبل أن استمرار الاتحاد على نهجه الحالي يهدد بفقدان ثقة الشعوب فيه، مشيرًا إلى أن الاتحاد، بصفته البيت الأفريقي الكبير، لم يعد قادرًا على أن يكون ملاذًا لحل النزاعات

في الوقت الذي يستمر الاتحاد الأفريقي في إصدار بيانات تكرر مواقف عامة دون إجراءات تنفيذية ملموسة، تتصاعد الأصوات المنادية بضرورة إعادة هيكلة شاملة للمنظمة، وتطوير آليات عملها بما يضمن استقلالها ومهنيتها، ويُمكنها من لعب دور الوسيط النزيه في الأزمات الأفريقية المتعددة.
وفي هذا الصدد، أكد رشيد مسبل أن استمرار الاتحاد على نهجه الحالي يهدد بفقدان ثقة الشعوب فيه، مشيرًا إلى أن الاتحاد، بصفته البيت الأفريقي الكبير، لم يعد قادرًا على أن يكون ملاذًا لحل النزاعات، مستدركا”: إذا لم تحدث إصلاحات جذرية تشمل بنيته التنظيمية وآلياته التنفيذية، فإنه سيفقد مبرر وجوده في صيغته الحالية.
من جانبه، شدد أستاذ العلاقات الدولية على أن حل الأزمة السودانية لن يكون ممكنًا من خلال الاتحاد الأفريقي وحده، داعيًا إلى شراكة فاعلة مع الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى قادرة على تقديم دعم فني ومالي، وامتلاك أدوات ضغط حقيقية. وتابع: السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي وإذا لم تكن هناك إرادة سياسية قوية من المجتمع الدولي لدعم الآليات الإقليمية، فإن كل الجهود ستظل حبيسة الشعارات والمؤتمرات، دون أن يكون لها أي أثر فعلي على الأرض.
تعكس الانتقادات الموجهة تجاه الاتحاد الأفريقي واقعًا مؤلمًا لطموحات دول أفريقية كانت تتطلع إلى أن تكون المنظمة القارية صوت الشعوب ودرعها في مواجهة الأزمات.. لكن ما كشفت عنه الأزمة السودانية تحديدًا، من انحيازات سياسية وضعف تنفيذي وغياب للحياد، يُعيد طرح سؤال جوهري..؟ هل ما زال الاتحاد الأفريقي قادرًا على أن يكون فاعلًا حقيقيًا في رسم مستقبل القارة، أم أنه بات بحاجة ماسة لإعادة بناء من الجذور.؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.