جنجويد: حين صرخت زوجةُ السيّد باسمِ المتمرّد

دكتور الوليد آدم مادبو

في السياسة السودانية، لا يكفي أن تكون مطيعًا كي تُحترم؛ بل لعل الطاعة المفرطة نفسها هي أسرع الطرق إلى الاحتقار. وهذه هي المأساة التي لم يفهمها مني وجبريل إلا متأخرين: لقد ظنّا أن كثرة الخدمة ترفع المقام، بينما كانت، في عين المركز، تنزعه عنهما قطعةً قطعة، حتى تحوّلا إلى ما يشبه “عبيد البيت” في المزارع القديمة؛ أولئك الذين يعيشون قرب السيّد، لكن قربهم نفسه يُفقدهم رهبة البعيد وخطورة المتمرّد.

 

فزوجة الرجل الأبيض — في أدبيات الجنوب الأمريكي وفي خيال القوة الاستعمارية — لم تكن ترى في الـhouse nigger سوى امتدادٍ لأثاث البيت: يدخل المطبخ قبلها، يقطع لها البصل والبطاطس، يحمل الماء، ينحني عند الطلب، وربما مرّر الحلاوة على ساقيها لإزالة الشعر وقد يدلك يديها في طقسٍ منزلي حميم، لكنه حميمية باردة، منزوع منها الخطر والرغبة والرهبة. كان يعرف تفاصيل جسدها الصغيرة، لكنه لا يملك القدرة على إيقاظ جسدها الكبير: الروح.

 

وقد التقطت السينما الأمريكية هذه المفارقة في أعمال حديثة عن العبودية، أبرزها 12 Years a Slave، حيث لا يُقدَّم القرب الجسدي أو الاجتماعي بوصفه امتيازًا، بل بوصفه شكلًا آخر من أشكال المحو، بينما يظل التمرّد — ولو كان محاصرًا — هو ما يحتفظ بظلّ الكرامة والرهبة.

 

هنا يتجلى مشهد الـcotton picker العائد من الحقول، تفوح منه رائحة الشمس والسياط والتمرّد. إذ لم يكن قريبًا من صاحبة المنزل كفاية ليلمسها، لكنه كان قريبًا من خيالها بما يكفي ليحتل سريرها دون أن يدخل غرفتها. كان يغني أغاني الحرية، يضحك ساخرًا من السيد، ويرفض أن يمنحه لذة سماع الأنين تحت الجلد المحترق بالسوط. كان يحتفظ، حتى وهو مقيّد، بذلك الشيء الذي يسميه سيغموند فرويد “بقايا الرغبة غير المروّضة”؛ أي تلك المنطقة التي تعجز السلطة عن إخضاعها بالكامل، فتتحول من مصدر تهديد إلى موضوع افتتان.

 

ولهذا، حين يضاجع السيد الأبيض زوجته، لا يفزعه — بل ربما يثيره على نحوٍ ماسوشي خفي — أن تهمس، في لحظة النشوة أو “صرخة الروح الصغرى”، باسم أحد أولئك العبيد المتمرّدين. لأن السلطة، كما يقول جاك لاكان، لا تشتهي الامتلاك الكامل بقدر ما تشتهي ما يفلت منها. إن الرغبة لا تولد من الطاعة المطلقة، بل من المسافة، من المنع، من الشيء الذي لا يُستملك نهائيًا.

 

وهكذا تبدو علاقة البرهان وياسر العطا بشخصيات مثل النور قبة أو موسى هلال. فهؤلاء، في المخيال السلطوي، ليسوا مجرد حلفاء؛ إنهم “العبيد الذين ما زالت فيهم رائحة الحقول”، أولئك الذين يمكن أن يرفعوا السلاح في وجه السيد كما يمكن أن يدافعوا عنه، ولذلك بالذات يملكون تلك الجاذبية الخطرة التي لا يملكها خدم البيت السياسي من أمثال مني وجبريل.

 

إن البرهان لا يحتقرهما لأنهما ضعيفان، بل لأنه يراهما مألوفين أكثر مما ينبغي؛ يعرفان المطبخ السياسي كله، يقطعان البصل في أوقات الحصار، يفركان الرِّجْلة، يخضبان الأرجل، وينظفان الدماء عن جدران الدولة، لكنهما فقدا، في نظره، تلك الوحشية البدائية التي تمنح الرجال هيبتهم في مجتمعات القوة. لقد تحولا من شركاء حرب إلى موظفين في بيت الأزمة السودانية.

 

وهنا تستعيد السياسة السودانية شيئًا من شعر نزار قباني حين كان يشبّه الهزيمة بالعجز الجنسي الجمعي، أو من غضب مظفر النواب وهو يرى الأنظمة العربية تتبادل الأدوار بين القواد والزبون داخل بيت دعارة كبير اسمه الوطن. فالسلطة في السودان لم تعد علاقة حكم ومسؤولية، بل علاقة رغبة منحرفة: رجالٌ يطلبون الولاء كما يطلب الزبون اللذة، ثم يحتقرون من يمنحهم إياها بسهولة.

 

ولعل العراقيين، في ذروة بطش صدام لهم، فهموا هذه الحقيقة بطريقتهم الفجّة المباشرة. يُحكى أن فرقة موسيقية وصلت إلى مطار بغداد، فسأل الضابطُ المغنية عن مهنتها، فقالت: “مغنية”. التفت إلى الجندي وقال ببرود: “اكتب: قحبة”. ثم سأل الرجل (أو “الكُديانة”) المرافق لها عن عمله، فارتبك محاولًا الشرح، فقال الضابط: “اكتب: قوّاد”. لم يكن المشهد مجرد بذاءة سلطوية، بل فلسفة حكم كاملة: تسمية الأشياء بأسمائها العارية، دون مكياجٍ لغوي أو دبلوماسية كاذبة.

 

وهذا بالضبط ما يجعل مثل هذه المشاهد ليست استثناءً تاريخيًا، بل نموذجًا متكررًا حين تفقد السلطة قدرتها على تزييف لغتها.

 

وهكذا أيضًا في السودان: كثير من التحالفات التي تُقدَّم للناس بوصفها “شراكات وطنية” ليست، في حقيقتها النفسية العميقة، سوى علاقات سيّد بخدمه، أو علاقات رغبةٍ مشوهة بين سلطةٍ فقدت احترام نفسها ورجالٍ يبيعون ولاءهم على أمل أن يتحولوا يومًا من عبيد البيت إلى شركاء في السرير السياسي.

 

لكن ما يبدو بنيةً عامة لهذه العلاقات، لا يبقى في مستوى السياسة وحدها، بل يتجسد في مزاج السلطة نفسها وطريقة إدارتها لهذه التحالفات. ولذلك تبدو ابتسامة البرهان للنور قبة أخطر من مجرد مناورة سياسية. إنها ابتسامة رجلٍ ملّ الأجساد الطائعة، فراح يبحث عن ذلك الإحساس القديم بالخطر، بالإهانة الممكنة، بالتمرّد الذي يعيد ضخ الأدرينالين في عروق سلطة هرِمة. فالحاكم الذي يعيش طويلًا بين المطيعين، ينتهي إلى السأم منهم، ثم يبدأ — على نحوٍ انتحاري — في التلذذ بمن قد يدمّرونه.

 

وفي ذلك تكمن مأساة مني وجبريل كاملة: لقد دخلا بيت السيّد من بابه الخلفي، وخدماه بإخلاص العبيد الذين يظنون أن الخدمة الطويلة تورث المكانة، لكنهما اكتشفا متأخرين أن السيّد لا ينام إلا وهو يحلم باسم المتمرّد. فالقصة، في النهاية، ليست قصة تحالفات تتغير، بل قصة سلطةٍ فقدت قدرتها على احترام من يطيعها، ولم تعد تشعر بالحياة إلا وهي تتلذذ بخطر الذين قد يدمّرونها.

 

‏May 7, 2026

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.