وهم «الرجل المنقذ».. السودان ليس ساحة لاستنساخ النماذج

عمود : عين الحقيقة

  • ما بين كوزٍ من عصير الأرديب، وقيادة «البوكس» في الشارع العام، تُصنع صورة شعبوية سريعة… لكن لا تُبنى بها دولة. هذا النوع من الاستعراض قد يكسب تعاطفًا لحظيًا، لكنه لا يمنح شرعية، ولا يوقف حربًا، ولا يعيد ترتيب بلد يتفكك.

في هذا السياق، يحاول قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الظهور في هيئة «الرجل المنقذ». غير أن الواقع السوداني، بتعقيداته وتشابكاته، يفضح هذا الطموح ويضعه في خانة الوهم السياسي، أكثر من كونه مشروعًا قابلًا للتحقق.

السودان اليوم ليس دولة تبحث عن زعيم قوي، بل بلد ينهار تحت ثقل حرب مفتوحة، وبنية تحتية مدمّرة، واقتصاد يتهاوى، ونسيج اجتماعي يتمزق. في مثل هذا المشهد، يصبح الترويج لفكرة «القائد الواحد» قفزًا خطيرًا فوق جذور الأزمة، لا محاولة جادة لمعالجتها.

الأزمة ليست في غياب «الرجل القوي»، بل في غياب الدولة نفسها. مؤسسات منهكة، قوى سياسية ومدنية منقسمة، مجتمع مدني مفكك، وخطاب كراهية يتسع ليغذّي صراعات قبلية ويهدد ما تبقى من تماسك اجتماعي. فكيف يمكن اختزال كل ذلك في شخص، أيًّا كان موقعه أو نفوذه؟

ثم إن الحرب الدائرة اليوم لا يمكن فصلها عن طبيعة السلطة القائمة نفسها. تعدد مراكز القوة، وتداخل الولاءات، واستمرار منطق الحسم العسكري، كلها عوامل تجعل الحديث عن «استقرار تحت قيادة فرد» مجرد خطاب دعائي لا يصمد أمام الواقع. الدولة لا تُدار بعقلية السيطرة، بل ببناء عقد سياسي يشارك فيه الجميع.

الأخطر أن السعي إلى السلطة في ظل هذا الركام من الدم والدمار يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: كيف يُبرَّر التنافس على الحكم بينما البلاد تغرق في الموت، والمواطن يدفع الثمن يوميًا؟ وأي شرعية يمكن أن تُبنى فوق هذا المشهد؟

استنساخ تجارب خارجية، أو محاولة ارتداء ثوب «المنقذ»، لن يصنع حلًا للسودان. فلكل بلد سياقه، والسودان يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة من الأساس، لا إلى إعادة إنتاج الأزمات بوجوه جديدة.

في النهاية، قد تنجح الحملات الدعائية في تلميع الصورة، لكنها لن تغيّر الحقيقة: لا أحد يمكنه إنقاذ السودان وحده. الطريق الوحيد هو تفكيك منطق الحكم الفردي نفسه، وبناء دولة تقوم على المؤسسات، لا الأشخاص.

السودان لا يحتاج إلى «بطل»، بل إلى نهاية حقيقية لزمن الأبطال.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.