في مؤتمر إعلان نتيجة الشهادة المتوسطة، بدا واضحًا أن وزارة التربية بولاية الخرطوم تتقن فنون الإقصاء والإهانة، وكأنها تتفنن في تقليد أسوأ العادات السلطوية. هناك، وسط صيحات التمجيد للشكر والتقدير الموجه لحكومة الولاية، وللأجهزة الأمنية، وللنقابات، اختفى المعلمون كأنهم مجرد هوامش في رواية لا تُذكر فيها البطولة إلا للأسماء الكبيرة على الورق.
لم يكن مفاجئًا أن يلتزم الوزير المكلف، بالنهج الذي عوّدنا عليه: تقصير واضح في كل ما يهم شؤون المعلمين، غياب كامل عن متابعة حقوقهم، وتصعيد مستمر لسياسة التجاهل والإهانة. فالعادة عند هؤلاء – عادة الكيزان – أن يُعامل المعلم ككائن ثانوي، بلا صوت، بلا حق، بلا حتى كلمة تقدير بسيطة.
وليس هذا مجرد رأي شخصي، بل انعكاس لصوت آلاف المعلمين الذين كتبوا عن الظلم والاهمال المتواصل. إحدى المعلمات اختزلت الواقع بالسخرية المرّة: كلام الوزارة صحيح، لأن المعلمين لا يستحقون حتى كلمة شكر أمام الإعلام… لأن المعلم، في نظرهم، مجرد كائن يعمل دون تقدير، دون اعتبار، دون أي مكانة.
والمفارقة المرة أن المعلم الذي يقف في الصف، ويواجه التحديات اليومية، ويحمل على كتفيه مسؤولية تعليم الأجيال وبناء المجتمع، هو الوحيد الذي يستحق كل التقدير والاحترام. هو رأس الدولة الحقيقي، وهو قلب العملية التعليمية، لكنه يُحجب، ويُهمش، ويُهان، بينما تُوزع المديحيات على البيروقراطية والأجهزة الأمنية وكأن المعلم لا وجود له.
إن استمرار هذه السياسات لا يقل عن جريمة بحق المعلمين وبحق مستقبل التعليم في ولاية الخرطوم. فالاهتمام بالمعلمين ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية. الاعتراف بدورهم، تقدير جهودهم، وإعطاؤهم مكانتهم الحقيقية، هو السبيل الوحيد لإنقاذ العملية التعليمية من الانهيار الذي يتهددها منذ سنوات.
ولن يكون هناك تقدم حقيقي في أي مجتمع يسيطر فيه التقدير على الشكل على حساب الجوهر، ويُعامل فيه من يربي الأجيال ككائن بلا قيمة. المعلمون أهل الكرامة والجد والاجتهاد، وأي محاولة للاستهانة بهم ستعود بالضرر على الجميع، وعلى سمعة التعليم والولاية قبل أي شيء آخر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.