آلة التشويه: كيف تُحاصَر فكرة السلام في السودان؟

نورا عثمان

لم تعد المعركة في السودان تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمات أيضًا. هناك جبهة أخرى لا تقل خطورة: جبهة الوعي العام. وفي قلبها، تدور حرب منظمة لتشويه كل صوت يدعو إلى إيقاف النزيف، وإعادة الاعتبار للسياسة المدنية. ما يجري ليس اختلافًا طبيعيًا في الرأي، بل حملة منهجية لتجفيف أي مساحة يمكن أن يتنفس منها خيار السلام.
تعمل منصات إعلامية وسياسية محسوبة على تيارات إسلامية—وفق ما يراه كثير من المراقبين—على استهداف القوى المدنية الديمقراطية، وفي مقدمتها تنسيقية “تقدم”، عبر خطاب يقوم على التشويه والتخوين. الفكرة بسيطة وخطيرة في آن: كل من يدعو إلى وقف الحرب يُصوَّر باعتباره منحازًا لطرف عسكري بعينه، وكأن المطالبة بإنقاذ المدنيين جريمة، أو وكأن السلام لا يمكن أن يكون هدفًا بحد ذاته.
هذه الاستراتيجية لا تكتفي بتزييف الحقائق، بل تُعيد تشكيل وعي الجمهور عبر خلط متعمد للأوراق. يتم اختزال المشهد في ثنائية قاتلة: إما أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك، ولا مكان لخط ثالث. هكذا يُدفع الشارع دفعًا إلى الاصطفاف خلف معسكرات الحرب، بينما يُحاصر كل من يحاول فتح أفق مختلف. إنها عملية إغلاق منهجية للخيارات، وليست مجرد سجال سياسي.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يعتمد على مفردات التخوين، التي تُحوّل النقاش العام إلى ساحة اتهامات، لا إلى فضاء حوار. حين يُوصم دعاة السلام بأنهم “ظهير سياسي” لهذا الطرف أو ذاك، فإن الهدف ليس إقناع الناس، بل إخافتهم من مجرد التفكير خارج الإطار المفروض. وهنا تكمن خطورة الدعاية: إنها لا تُقنع بقدر ما تُرهب.
لكن الحقيقة التي لا يمكن طمسها هي أن القوى المدنية، رغم ضعفها وتشتتها أحيانًا، تمثل الأمل الوحيد لبناء دولة لا تُدار بالبندقية. إقصاء هذه القوى عبر حملات التشويه لا يخدم سوى استمرار الحرب، لأنه يزيل البديل الوحيد الممكن بين طرفين عسكريين يدفع المدنيون ثمن صراعهما.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن الحرب ليست قدرًا، وأن السلام ليس خيانة. من يشيطن دعاة السلام، إنما يطيل أمد المأساة، ويغلق الباب أمام أي أفق للخروج منها.
المعركة الحقيقية ليست بين جيشين، بل بين من يريدون استمرار الحرب، ومن يسعون لإنهائها. وبين هذين الخيارين، لا مكان للحياد الأخلاقي. إما أن تكون مع الحياة… أو مع ماكينة الموت، حتى وإن تحدثت بلغة السياسة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.