الإخـــوان والعــسكر فــي الســودان.. جـــذور الهيمنــة ومــخاض الــدولــة الديمــقراطيـــة المدنــيةالجــديــدة
أ/سلــــيم محــمد عبداللــه
فــي لحظـــة تتــقاطع فيــها النـــار مــع الأسئلـــة، والــدم مــع المـــستقبل، يــقف السودان أمام مشهدٍ لم يعد يحتمل التأويــل الســطحي. فالأزمة التي تحرق الســودان وتمدّ ظلالها فوق مدن البلاد ليست مجرّد حرب عابرة، بل فصلٌ أخير من معركةٍ طويلة بين مشروعين: مشروع هيمنة صاغته منظومة الإخوان المسلمين وتحالفت معه المؤسسة العسكرية لعقود، ومشروع وطنٍ جديد رسمته الإرادة الشعبية في ثورة ديسمبر المجيدة.
هذا المقال ليس سردًا سياسيًا تقليديًا؛ بل محاولة لتفكيك شبكةٍ معقّدة، وإعادة قراءة جذور الأزمة بعمقٍ يليق بالحقيقة المرّة، وبمسؤوليةٍ تحترم دماء السودانيين ومستقبل بلادهم.
الإخــوان المسلمــون… دولــةٌ مــوازية صنعتهــا العقــود ونــأت عنــها المـــحاسبة
لـم يكــن حضــور الإخــوان المسلمين في السودان عابرًا أو مؤقتًا؛ بل كان مشروعًا مكتمل الأركان. فمنذ انقلاب 1989، نسج هذا التيار دولة داخل الدولة، تمددت من الاقتصاد إلى الأمن، ومن الإعلام إلى التشريع، حتى أصبحت مؤسسات الحكم في كثير من مفاصلها مشدودة بخيوط الولاء لا بخيوط القانون.
استـثمر الإخوان وجــودهم في موارد الدولة الــكبرى:::
الــذهـــــب
التــجارة العــابرة للــحدود
الأراضــي والــصفقات الحكوميـــة
أجـــهزة الخدمــة المدنيــــة
مؤسـسات الجيـش والأمـن الكيزاني التي صارت مظلات حماية للنــفوذ
وبنى التيار شبكة مصالح مترابطة شديدة القدرة على المناورة، جعلت الإطاحة برأس النظام لا تساوي، فعليًا، تفكيك المؤسسة الإخوانية الأعمق. ولهذا، ظلّت تلك الشبكات وإن تراجعت في الواجهة قادرة على إعادة التموضع، واستغلال ثغرات الانتقال السياسي، والمحافظة على نفوذٍ يُدار في الخفاء رغم تغير الوجوه.
ولم يتوقف الأمر عند الداخل؛ إذ امتدّ التأثير الإخواني إلى البيئة الإقليمية من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي، ونشأت من حوله دوائر من القلق والحذر في الدول المجاورة، التي لطالما اعتبرت السودان تحت نفوذ الإخوان مصدرًا محتملًا للاضطراب والتصدير الأيديولوجي العابر للحدود.
المـؤسسة العسكــرية… سلطــةٌ فــوق الدولـة ومساحــةٌ مغلقــة أمــام الإصــلاح
على الضفة الأخرى من المشهد، وقفت المؤسسة العسكرية طوال عقود بوصفها اللاعب الأقوى، لا في حماية البلاد فحسب، بل في تشكيل حياتها السياسية. فعبر سلسلة من الانقلابات والتحالفات الأمنية، رسّخت القيادة العسكرية نموذجًا من “الدولة الأمنية” التي تُخضع القرار المدني لحسابات السلطة لا لحسابات الدستور.
وحـين اندمــج النفــوذ العســكري مــع المـــشروع الإخــواني، تــكرّست مــعادلة الخــــطر::::
سلــــطة الأيــديولــوجيا + ســلطة السـلاح = دولــة بــلا مــؤسســات حقيقية.
وبفضل هذا التحالف البنيوي، تحوّلت أجهزة الأمن والجيش إلى أدوات ضبط سياسي، لا أدوات حماية وطنية. وأصبحت مناصب الدولة ترقيةً للولاء لا للكفاءة، وجرى تسييس القوات المسلحة على نحوٍ خلق قطيعة بين المؤسسة العسكرية وهدفها الطبيعي: أن تكون ملكًا للوطن، لا طرفًا في الصراع.
ومع كل أزمة، كان الجيش يظهر في بنيته التقليدية كقوةٍ تسعى إلى إعادة ضبط المشهد بما يحفظ معادلة النفوذ القديمة، حتى عندما كانت شعارات الثورة تُطالب بإعادة بنائه كمؤسسة مهنية خالصة.
ثــورة ديســمبر لحظة الوعي التـــي كســرت الصمــت واستــعادت الــوطن
ثم جاءت ثورة ديسمبر المجيدة الحدث الأكثر صفاءً في تاريخ السودان الحديث لتعيد تعريف الوطن. لم تكن ثورة جياع أو موجة غضب عابرة؛ بل كانت نداءً جماعيًا لاستعادة دولة خُنقت طويلًا بين قبضة الإخوان ومطرقة العسكر.
كان الــشارع الســوداني واعــيًا بحجم التـــحدي:
فالمعركة لم تكن ضد نظامٍ فاسدٍ فحسب، بل ضد منظومةٍ كاملة بنت اقتصادها وأمنها وإعلامها وسلطتها على تحالفٍ عميق بين الحركة الإسلامية والسلطة العسكرية.
ورغم القمع والرصاص، أعلن الشعب أن الدولة المدنية الديمقراطية ليست خيارًا تجميليًا بل ضرورة للنجاة.
ومن دماء الشهداء كُتبت المعادلة الجديدة:
لا عودة للدولة الإخوانية، ولا شرعية لدكتاتورية السلاح.
الــحرب الراهنـة انفــجارٌ طبيــعي لمنظومــةٍ رفضــت الإصــلاح
اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 لم يكن مفاجئًا لمن قرأ التاريخ السوداني بوعي. فحين فُتحت ملفات الإصلاح، وبدأت الأصوات تُطالب بإعادة هيكلة الجيش، وتفكيك الدولة الموازية، شعرت قوى النفوذ القديمة أن الأرض تُسحب من تحتها.
وهكذا، انفجر الصراع داخل مؤسسات الدولة نفسها، لأن البنية التي صنعتها عقود طويلة لم تكن قادرة على التعايش مع مشروع دولة جديدة.
لقد اصطدمت شهوة السيطرة مع حلم الدولة المدنية… وكانت النتيجة حربًا التهمت الخرطوم وهددت بقاء الوطن.
الســـــودان بيـــن ضـــوء ديـــسمبر وظـــلال النـــــفوذ
اليــوم، يقف الســودان أمام مـــفترق طـــرق.
من جهة، تقف ثورة ديسمبر بكل نقائها وقدرتها على إعادة بناء الدولة من الصفر.
ومن جهة أخرى، تقف شبكات الإخوان وتحالفاتهم، والمؤسسة العسكرية التي تحتاج لأجل الوطن إلى إعادة تعريف وظيفتها ودورها.
لكن الحقيقة التي تؤكدها الشوارع، والذاكرة، والدماء، أن مشروع ديسمبر رغم الحرب لم يمت.
لأن الثورة التي يسقط من أجلها الشهداء تصبح قدرًا وطنيًا لا يُلغى، ومسارًا تاريخيًا لا يمكن لأحد إيقافه.
المــــجد والـــخلود للـــشهداء
والإرادة للـــــشعب
والمســـتقبل للدولة المـدنيــة التي يستــحقها الســـودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.