بعد برلين.. ماذا يجب أن تفعل «صمود»؟ ولماذا لا تتحد القوى السياسية لإنقاذ السودان؟

نورا عثمان

انتهى مؤتمر برلين، لكن المأساة السودانية لم تنتهِ. ما زالت الحرب تحصد الأرواح، وما زال الملايين بين نزوح ولجوء وجوع وخوف، وما زالت المدن تئن تحت الركام، فيما ينتظر السودانيون من قواهم السياسية ما هو أكثر من البيانات والتصريحات. ينتظرون فعلاً حقيقياً يوازي حجم الكارثة، وإرادة وطنية تضع حدّاً لهذا الانهيار الكبير.
في هذا السياق، تبرز مسؤولية الكتلة المدنية والسياسية، وعلى رأسها القوى المنضوية تحت مظلة «صمود»، التي باتت مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تتحول من إطار سياسي إلى مشروع إنقاذ وطني. فالمؤتمرات الدولية يمكن أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تعبرها نيابة عن السودانيين. وما لم توجد قوة مدنية منظمة، واضحة الرؤية، قادرة على مخاطبة الداخل والخارج، فإن كل ما يُتفق عليه سيظل حبراً على ورق.
ما الذي يجب أن تفعله «صمود» بعد برلين؟ أولاً، أن تعيد ترتيب بيتها الداخلي، لأن أي كيان يطالب بإنقاذ وطن وهو عاجز عن إدارة خلافاته الداخلية، سيفقد ثقة الناس سريعاً. المطلوب هو تجاوز الحساسيات الشخصية، والصراعات الصغيرة، وإعلاء المصلحة الوطنية فوق حسابات الزعامة والتمثيل.
ثانياً، أن تطرح خارطة طريق واضحة ومحددة: وقف شامل لإطلاق النار، فتح الممرات الإنسانية، حماية المدنيين، عودة الخدمات الأساسية، ثم إطلاق عملية سياسية جامعة لا تستثني أحداً ممن يؤمنون بالدولة المدنية والسلام. الناس لم تعد تريد خطابات عامة، بل تريد خطوات قابلة للتنفيذ.
ثالثاً، أن تنزل إلى معاناة الناس الحقيقية، لا أن تبقى حبيسة الفنادق والقاعات. على «صمود» أن تجعل قضية النازحين واللاجئين أولوية يومية: الغذاء، الدواء، التعليم، الحماية، وإعادة الكرامة لمن فقدوا كل شيء. فالسياسة التي لا تلامس وجع الناس تتحول إلى ترف بارد لا قيمة له.
لكن السؤال الأكبر يظل مطروحاً: لماذا لا تتحد القوى السياسية السودانية، ولو تحت حد أدنى من الاتفاق، لإيقاف الحرب؟ لماذا يستمر التشرذم بينما الوطن يتفكك؟
الإجابة المؤلمة أن بعض القوى ما زالت أسيرة الماضي، وأخرى أسيرة الطموح الشخصي، وثالثة تراهن على تغير موازين السلاح بدلاً من موازين العقل. هناك من يريد اتفاقاً كاملاً أو لا شيء، بينما اللحظة الراهنة لا تحتاج الكمال، بل تحتاج الممكن. لا تحتاج توافقاً شاملاً حول كل القضايا، بل تحتاج اتفاقاً عاجلاً حول أولوية واحدة: وقف الحرب وإنقاذ الإنسان السوداني.
يمكن للقوى السياسية أن تختلف لاحقاً حول الدستور، وتقاسم السلطة، وشكل الدولة، والانتخابات، وكل الملفات المؤجلة. لكن لا معنى لأي خلافات مستقبلية إذا لم يبقَ وطن تُدار داخله تلك الخلافات.
الحد الأدنى المطلوب اليوم بسيط وواضح: لا للحرب، نعم للمساعدات الإنسانية، نعم لحماية المدنيين، نعم لحل سياسي مدني، نعم لوحدة السودان. هذا القدر وحده كافٍ ليصنع جبهة وطنية محترمة إذا صدقت النوايا.
إن «صمود» أمام اختبار تاريخي. فإما أن تكون اسماً على مسمى، صامدة في وجه الحرب والتشظي، حاملةً أملاً للناس، أو تتحول إلى عنوان آخر يضاف إلى قائمة الفرص الضائعة.
السودانيون لا يريدون معجزات من سياسييهم، بل يريدون شيئاً واحداً: أن يتصرفوا أخيراً بحجم الوطن الجريح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.