ترتبط أفكار نيكولو ميكيافيلي عادة بوصف واقعيّ للسياسة باعتبارها مجالاً للصراع على السلطة، حيث لا تكون الأخلاق دائماً هي المحدد الحاسم للسلوك السياسي.
وإذا نقلنا تصور ميكافيلي للسياسة الذي يحمل عناصر من البراغماتية والانتهازية والنزعة الوصولية، إلى تجربتنا السودانية القاسية خلال العقود الثلاثة الماضية، يتبدّى أن ممارسة الحركة الإسلامية لم تكتف بالبراغماتية السياسية التي وصفها ميكيافيلي، بل تجاوزتها إلى مفارقة حادة بين خطاب معلن يقوم على القيم الدينية والأخلاقية، وسلوك عملي يناقض تلك القيم في كثير من الأحيان.
فقد رُفعت شعارات الطهرانية السياسية والإصلاح الأخلاقي، بينما كانت الدولة الأمنية تُدار عبر أدوات قمعية وتحالفات مصلحية، ما جعل الفجوة بين القول والفعل تتسع بصورة لافتة تجاوزت ما اصطلح عليه البرغماتية إلى النفاق السياسي الموغل في الوصولية الفجة.
في هذا السياق، تكتسب أطروحة مايكل والزر حول “الأيدي القذرة” بُعداً خاصاً عند إسقاطها على الحالة السودانية.
فوالزر يفترض وجود مأزق أخلاقي حقيقي، حيث يُقدم القائد على فعل خاطئ وهو مدرك لخطئه، بل ويشعر بثقله الأخلاقي.
غير أن ما جرى في السودان بواسطة قبيلة بني كوز، بحسب كثير من التحليلات، لم يكن دائماً من قبيل “الاختيار المأساوي” بين شرّين، بل بدا أحياناً كسياسة ممنهجة تُمارَس دون اعتراف بالخطأ وهذا ما اكدته التجربة وواقع الحال، بل وفوق ذلك مع إصرار بليد على تغليفها بخطاب أخلاقي وديني يمنحها مشروعية ظاهرية.
وهنا تتحول “الأيدي القذرة” من عبء أخلاقي إلى أداة حكم، وتتحول القيم من معيار للمساءلة إلى وسيلة للشرعنة.
في ما سُمّي بـ“حرب الجنوب” وهي في الواقع حرب النخبة المركزية الحاكمة ضد الجنوب التي أُحيطت بهالة زائفة من القداسة، جرى تسويق هذه الحرب بخطاب دعائي يصوّرها كمعركة بين الإيمان والكفر، بينما كانت في حقيقتها حملة تعبئة تستند إلى استغلال الدين لتبرير العنف.
تحوّلت الشعارات الأخلاقية والدينية إلى أدوات للتجنيد والتجييش، في وقت كان الواقع يكشف عن حرب قذرة ذات طابع إبادي استهدفت مدنيين مسالمين في الجنوب.
ومع تجاوز عدد الضحايا حاجز المليونين، يتضح أن ما قُدِّم كصراع سياسي مغلّف بالدين لم يكن سوى تضليل فجّ، ارتدى ثوب القداسة زوراً وبهتاناً ليخفي ممارسات لا تمتّ للأخلاق أو الإنسانية بصلة.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح أيضاً في إقليم دارفور، حيث اندلعت أزمة إنسانية كبرى رافقتها اتهامات واسعة بارتكاب جرائم جسيمة، من قتل وتهجير قسري بل وصلت إلى أم الجرائم وهي جريمة الإبادة الجماعية.
وفي الوقت الذي كان فيه الخطاب الرسمي يؤكد على العدالة والاستقرار، ودارفور أرض اللوح والقرآن وأهل السماح والطيبة، كانت الوقائع على الأرض تعكس صورة مختلفة، ما عمّق الإحساس بأن القيم المعلنة لم تكن سوى غطاء لسياسات عنيفة.
لم يكن التناقض هنا مجرد خطأ في التقدير، بل بدا لكثيرين تناقضاً بنيوياً بين خطاب أخلاقي زائف وممارسة ميدانية قذرة.
وفي جبال النوبة بجنوب كردفان، تعقّد المشهد أكثر مع إدخال مفردات دينية في توصيف الصراع، حيث وُصفت الحرب في بعض مراحلها بأنها ذات طابع “جهادي” أي ما عرفت بالحرب الجهادية.
هذا التوصيف لم يكتف بإضفاء بعد ديني على نزاع سياسي وعسكري، بل عزّز كذلك من حدة المفارقة بين خطاب يدّعي الدفاع عن القيم، وواقع يتسم بالعنف والانقسام.
وهنا تتجلى إشكالية استخدام الدين كأداة تعبئة، في الوقت الذي تتناقض فيه النتائج مع المبادئ التي يُفترض أن الدين يدعو إليها.
أما ما جرى داخل غرف “بيوت الأشباح”، فقد مثّل تجسيداً صادماً للرعب المنظّم، حيث انكشفت ممارسات تعكس غياب الرحمة والضمير.
بدأت فصول هذا العنف البشع بحوادث تعذيب قاسية طالت شخصيات مثل الدكتور علي فضل الذي انتهت حياته بدق مسمار في رأسه، ولم تتوقف عند ذلك، بل امتدت إلى انتهاكات مروّعة أخرى، من بينها الجريمة القذرة التي تعرّض لها الأستاذ الخلوق أحمد الخير.
وبين هذين المثالين تتوالى شهادات عن انتهاكات جسيمة طالت أجساد وحريات أبناء وبنات السودان.
ولم تكن واقعة الاعتداء على التشكيلية صفية إسحاق حدثاً معزولاً أو استثناءً عابراً، بل جاءت لتؤكد نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي تشير إلى استمرارية هذه الممارسات داخل منظومة القمع وما واقعة قرية “تابت” المأساوية إلا دليلاً دامغاً على عار الدولة بحق نساءها.
كما أن اختفاء الشاعر أبا ذر الغفاري عبد الله الشريف لا يمكن فصله عن سلسلة ممتدة من حالات الإخفاء القسري، التي طالت كثيرين، في سياق يعكس حجم الانتهاكات التي شهدتها تلك المرحلة.
أما جريمة فض اعتصام القيادة العامة، فقد شكّلت لحظة كاشفة لهذا التناقض المتراكم، إذ جاءت بعد سنوات طويلة من الخطاب الذي يرفع شعارات الأخلاق والقيم والانضباط، لينتهي إلى حدث صادم خلّف ضحايا وأثار موجة واسعة من الغضب الذي لن يهدأ إلا بعد القصاص العادل من الجناة.
في هذه اللحظة، بدت المفارقة بين القول والفعل في أوضح صورها، حيث انهارت المسافة بين الخطاب المثالي والممارسة العنيفة أمام أعين الجميع، وتحولت الأسئلة الأخلاقية إلى مطالب مباشرة بالمحاسبة والعدالة وإن تأخرت.
إن ما تكشفه هذه التجربة هو أن المشكلة لم تكن فقط في “اتساخ الأيدي” بالمعنى الذي ناقشه والزر، بل في غياب الاعتراف بذلك الاتساخ أصلا، وفي الإصرار على تقديم الممارسة السياسية بوصفها متسقة أخلاقيا رغم تناقضاتها.
ومع مرور أكثر من ثلاثين عاماً، تراكم هذا التناقض ليصبح سمة بنيوية، لا مجرد حالات استثنائية، ما أضعف الثقة العامة في الخطاب السياسي ذاته، وجعل القيم المعلنة تبدو منفصلة عن الواقع.
وفي حالتنا السودانية يتم طرح سؤال أكثر حدة مما طرحه ميكيافيلي أو والزر: ليس فقط هل يمكن للسياسة أن تبقى أخلاقية، بل ماذا يحدث عندما تتحول الأخلاق نفسها إلى أداة في الصراع على السلطة؟
عندها لا تعود المشكلة في صعوبة التوفيق بين القيم والمصالح، بل في تآكل المعنى الأخلاقي ذاته، وفي فقدان القدرة على التمييز بين ما يُقال وما يُفعل، وهي مفارقة ظلت، لسنوات طويلة، واحدة من أبرز سمات التجربة السياسية في السودان.
والمثال الصارخ لنظرية “أيدي قذرة وقفازات نظيفة” هذه الحرب اللعينة التي يدور رحاها الآن على أجساد السودانيين “حرب كرامة في شعارها وما خلفته من ذلة وانكسار وتشرد وضياع في واقعها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.