عندما تكون الأزمة في العقل الذي يُنتج الفوضى.. فلا بد من اعادة ضبط المصنع

حسن عبد الرضي

ليست المشكلة في قوات النور القبة (قايلين القبة تحتها فكي)، ولا في مليشيا البراء بن مالك، ولا في فوضى ما يُسمّى بالقوات المشتركة، ولا حتى في قوات الدعم السريع، ولا في عبث مليشيا أبي عاقلة كيكل أو غيره من قادة السلاح المتنقلين بين الولاءات والمصالح.

هذه كلها أعراضٌ لمرضٍ أعمق، وتجلياتٌ سطحية لعطبٍ قديم متجذر في بنية الدولة السودانية وفي الوعي الجمعي الذي تشكّل تحت القهر والتضليل.

من الخطأ أن نحصر الأزمة في الأسماء والوجوه والكتائب.

فالأشخاص يتبدّلون، واللافتات تتغيّر، لكن الآلية التي تُنتج الخراب تظل كما هي.

إنها العقلية التي تصنع الفوضى ثم تدّعي محاربتها، التي تُشعل الحرائق ثم تتقدّم في هيئة رجل الإطفاء.

عقلية تؤمن بأن الوطن غنيمة، وأن السلطة حقّ مكتسب بالقوة، وأن السلاح هو اللغة الوحيدة التي تُدار بها السياسة.

هذه العقلية لم تولد من فراغ.

لقد تربّت في أحضان دولةٍ لم تُبنَ على المواطنة، بل على الامتياز.

دولةٍ كرّست مركزًا يحتكر القوة والثروة والرمزية، ثم صنعت أطرافًا مهمّشة تُستدعى فقط في أوقات الحرب والاقتتال.

وحين انهارت التوازنات، خرجت من رحمها عشرات الجيوش الصغيرة، كلٌّ منها يحمل جزءًا من منطق الدولة القديمة، لا نقيضًا لها.

والمأساة الكبرى أن هذا الخراب يجد دائمًا من يجمّله ويمنحه غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

هنا يظهر الإعلام الذي لا يمارس دوره المهني، بل يتحوّل إلى ماكينة تعبئة وتحريض.

إعلام يروّج للعبث باعتباره بطولة، ويزكّي نار الحرب تحت لافتة “حرب الكرامة”، بينما الكرامة الحقيقية تُذبح كل يوم على قارعة النزوح والجوع والدمار.

أي كرامةٍ في وطنٍ تُقصف مدنه ويُشرّد أهله وتُنهب ممتلكاته؟

أي كرامةٍ في تحويل الشباب إلى وقودٍ لمعركة لا يعرفون حقيقتها؟

وأي شرفٍ في أن تُدار البلاد بمنطق الثأر والشعارات الجوفاء؟

لقد نجح هذا الإعلام في إعادة إنتاج الوهم القديم: أن الجيش هو الوطن، وأن الوقوف معه هو الوطنية بعينها، وأن أي نقد له خيانة.

وهنا تتجلّى المعضلة الأخطر: المواطن المسكين الذي صدّق أن “الجيش جيش السودان” بالمعنى المطلق، وأن الشعار المكرور “جيش واحد شعب واحد” حقيقة لا تقبل المساءلة.

هذا المواطن لم يصل إلى هذه القناعة من فراغ، بل صُنعت له بعناية، وغُرست في وجدانه عبر عقود من التلقين والتقديس.

حتى صار أسيرًا لعبارات جاهزة، يُردّدها كما لو كانت بديهيات مقدسة.

لقد صار كالأعمى الذي “مسكوه في عكاز” يردد الشعار، فأصبح عاجزًا عن رؤية الواقع كما هو.

والحقيقة المُرّة أن أي مؤسسة عسكرية لا تُبنى على عقيدة وطنية ديمقراطية، ولا تخضع لسلطة مدنية كاملة، ليست جيش شعب، بل أداة سلطة.

وإذا تحوّلت إلى لاعب سياسي، فإنها تفقد حيادها وتصبح جزءًا من الأزمة لا حَكَمًا فيها.

إن السودان لا يحتاج إلى تبديل المليشيات بمليشيات أخرى، ولا إلى إعادة تدوير ذات الخطاب بأسماء جديدة.

السودان يحتاج إلى مراجعة جذرية، إلى مساءلة كاملة للفكرة التي حكمته منذ الاستقلال: فكرة الدولة التي تُدار بالقوة، وتُحمى بالولاء، وتُختزل في المؤسسة العسكرية.

إن كان لا بدّ من أن نصنع وطنًا حرًّا كريمًا، فلا بد من إعادة ضبط المصنع.

وإعادة ضبط المصنع تعني أن نعود إلى الأسئلة الأولى: ما الدولة التي نريد؟

ومن يملك حق السلاح؟

وما حدود دور الجيش؟

وكيف تُبنى المواطنة؟

وما معنى أن يكون الشعب مصدر الشرعية لا البندقية؟

إعادة ضبط المصنع تعني أن نكسر الحلقة الجهنمية التي تُنتج الحرب ثم تُسوّقها باعتبارها قدرًا.

تعني أن نعيد تعريف الوطنية بعيدًا عن الهتاف، وأن نربطها بالعدالة والحرية والسلام.

فالوطن لا يُبنى بالبنادق وحدها، ولا بالشعارات، ولا بالولاءات العمياء.

الوطن يُبنى بعقلٍ جديد، وبضميرٍ حر، وبمؤسساتٍ تُخدم الإنسان لا تُخضعه.

أما إذا ظللنا نطارد الأعراض ونترك أصل الداء، فسنظل ندور في ذات الدائرة: تتبدّل الوجوه، وتبقى الفوضى.

ويتغيّر القادة، ويبقى الخراب.

وما لم نُصلح العقل الذي يصنع هذه الكارثة، فإن كل انتصارٍ عسكري متوهم سيكون مجرد تأجيلٍ لهزيمة وطنية أكبر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.