البرهان يكرّم القتلة… ويزجّ بالمدنيين في قفص الاتهام

عبد العزيز أبو عاقلة

قالت هانا آرنت ذات مرة: “أخطر ما في الشرّ أنه قد يصبح عادياً.”

وفي السودان، لم يعد الشرّ مجرد حادثة عابرة، بل تحول إلى نظام حكم، وإلى ممارسة يومية تُدار من أعلى السلطة حتى أدنى مؤسسات العدالة. صار القاتل ضيف شرف، والمدني الأعزل متهماً، وأصبح القضاء نفسه شاهداً صامتاً على الجريمة، بل شريكاً فيها أحياناً.

في الدول التي ما تزال تعرف معنى الدولة، يُحاكم من يحمل السلاح ضد الناس، ويُحمى المواطن الأعزل بالقانون. أما عندنا، فقد انقلب المشهد حتى صار عبد الفتاح البرهان حامياً لمن تلطخت أيديهم بالدم،بل من المفارقة يحتفي بهم ويتم مكافأتهم بينما تُفتح البلاغات ضد الرافضين للحرب، والمطالبين بالسلام، والذين يقولون بصوت عالي فقط: كفى.

ليست المشكلة في فرد أو قرار عابر، بل في منظومة كاملة جرى تصميمها لتجعل القضاء تابعاً للسلطة العسكرية، لا رقيباً عليها. القاضي الذي يجب أن يقف بين الحاكم والشعب، أصبح يخشى النقل والإبعاد والتجريد إن قال كلمة حق. والتقارير الأمنية أصبحت أحياناً أقوى من نصوص القانون، حتى صار بعض القضاة يعيشون تحت سلطة الرعب لا تحت هيبة العدالة .

النائب العام، الذي يُفترض أن يتحرك فور وقوع الجريمة، يقف صامتاً أمام أسماء يعرفها الناس جميعاً، مثل أبو عاقلة كيكل، وبقال، والنور القبة، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد المدنيين العزل لا تحتاج إلى كثير بحث لإثبات وجودها في الوعي العام والوثائق المتداولة. لكن الصمت هنا ليس عجزاً، بل اختيار سياسي.

وفي المقابل، تنشط النيابة بكامل قوتها عندما يتعلق الأمر بمدني أعزل، أو ناشط ضد الحرب، أو شخص يرفض عسكرة الدولة. هنا فقط يصبح القانون سريعاً وحاسماً، وكأن العدالة لا ترى إلا الضعفاء.

 

أما وزير العدل، الذي يُفترض أن يكون حارس النص وروح القانون، فقد انحدر دوره إلى تفصيل النصوص بما يناسب بقاء السلطة. لم يعد وزيراً للعدل بقدر ما أصبح خياطاً سياسياً للحصانات. والمشهد الذي ظهر فيه وهو يعانق المصباح طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك، لم يكن مجرد صورة عابرة، بل إعلاناً رمزياً عن التحالف بين السلطة والقوة المسلحة خارج إطار الدولة المدنية.

إن كتيبة البراء بن مالك نفسها ليست مجرد تفصيل جانبي، بل شاهد على عودة الدولة إلى حضن التنظيمات المؤدلجة التي أفسدت السودان لعقود. حين يصبح القانون في حضن العسكر والمليشيات لا يعود المواطن أمام دولة، بل أمام سلطة تتقاسمها البنادق والولاءات والمليشيات .

وقد قال مونتسكيو: “لا حرية إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.”

وهذا بالضبط ما جرى دفنه في السودان. القضاء لم يعد سلطة مستقلة، بل ملحقاً تنفيذياً بسلطة الانقلاب، يُستخدم لتصفية الخصوم، وحماية الحلفاء، وتجميل الإفلات من العقاب.

الأخطر من ذلك هو استخدام ما يسمى بالعفو السيادي كأداة لحماية المتورطين. لا أحد يملك حق العفو عن دماء الناس سوى أصحاب الحق أنفسهم. البرهان لا يملك أن يمنح البراءة لمن ارتكب المجازر فقط لأنه يقف معه سياسياً أو عسكرياً. هذا ليس عفواً، بل شراكة كاملة في الجريمة.

فالسلطة التي تحمي القاتل وتحاكم المدني لا تبحث عن سلام، بل عن صمت قسري. تريد شعباً يعتاد الظلم، وقضاءً يعتاد الصمت، ووطناً ينسى ضحاياه سريعاً. لكنها تتناسى أن الدم لا يسقط بالتقادم مهما طال الزمن وأن الشعوب قد تصبر لكنها لا تنسى.

أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، بل سقوط معنى الدولة نفسها. فإذا صار القاتل محمياً، وصارت الضحية متهمة، وصار القاضي خائفاً من الحاكم، فنحن لا نعيش أزمة عدالة فقط، بل إعلاناً رسمياً عن انهيار الدولة كاملة .

آخر الكلام:

حين يحتفي البرهان بالقتلة، ويصمت النائب العام، ويعانق وزير العدل قادة الكتائب، فإن الجريمة لا تعود فردية، بل تصبح سياسة دولة. وحين يتحول القضاء من ميزان للحق إلى مظلة للحصانة، فإن الوطن كله يدخل قفص الاتهام. لأن الدولة التي تحمي القاتل ليست دولة… بل مسرح جريمة كبير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.