“من خائن إلى بطل كيف تحوّل النور القبة إلى طوق نجاة لجيش يترنّح؟

عمار سعيد

في مسرح العبث السوداني، لا شيء يضاهي المشهد الأخير: عودة “الابن الضال” إلى حضن المؤسسة التي كانت بالأمس تتهمه بكل خطايا الأرض، فإذا به اليوم يتحول إلى ضيف شرف تُفتح له القاعات وتُفرش له السجادات الحمراء، وتُسلّط عليه الكاميرات كأنه فاتح عظيم لا منشق عائد.

النور القبة لم يعد مجرد قائد منشق عن الدعم السريع، بل صار—بلمسة سحرية من إعلام السلطة—قصة خلاص، وبطاقة إنعاش معنوي لجيش أنهكته الهزائم والارتباك. فجأة، اختفت كل مفردات التخوين، وتبخرت لغة “التمرد”، وحلّت محلها لغة “العودة إلى الرحم”، وكأننا أمام طقس صوفي جماعي تُغسل فيه الذنوب السياسية بمجرد تغيير الاتجاه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تغيّر؟ هل تغيّر الرجل، أم تغيّر ميزان القوة؟
الحقيقة الأقرب أن ما تغيّر هو موقع الجيش نفسه في هذه الحرب. فحين يصبح استقبال منشق حدثًا وطنيًا بحجم استعادة مدينة، فهذه ليست علامة قوة، بل مؤشر على ضيق الخيارات. الترحيب الهستيري، والسباق المحموم نحو إجراء المقابلات واللقاءات، يعكس حالة عطش لأي انتصار—even لو كان معنويًا ومؤقتًا—بعد سلسلة من الضربات الميدانية التي جعلت المؤسسة العسكرية تبدو كمن يقاتل بقدم، ويبحث عن توازن بالقدم الأخرى.
عبد الفتاح البرهان بدا في هذا المشهد كمن يلوّح بأي ورقة متاحة، حتى لو كانت متناقضة مع خطابه السابق. فالأمس القريب كان مليئًا بخطابات الحسم، واليوم مليء بلغة الاستيعاب والاحتواء. هذا التقلّب ليس دهاءً سياسياً بقدر ما هو انعكاس مباشر لحجم الضغط العسكري والسياسي.
الأزمة لا تقف عند حدود الميدان. ففشل صفقات التسليح، وتململ الحلفاء، وتضييق الخناق المالي، كلها عوامل جعلت النظام يبحث عن أي “قصة نجاح” يبيعها للداخل والخارج. ومع تضاؤل الدعم الخارجي، وتزايد القيود والعقوبات، لم يعد أمامه سوى إعادة تدوير اللاعبين أنفسهم، في مشهد يشبه إعادة تمثيل مسرحية قديمة بوجوه جديدة—أو بالأحرى، بنفس الوجوه ولكن مع تغيير الأدوار.
وإذا أردنا استعارة من التاريخ، فإن هذا المشهد يذكّرنا بنهاية الدولة العباسية في بغداد، حين كان الخلفاء يستقبلون القادة المنشقين بحفاوة مبالغ فيها، لا حبًا فيهم، بل خوفًا من أن ينضموا للمعسكر الآخر. أو حتى مشهد الإمبراطورية الرومانية في سنواتها الأخيرة، حين كانت تعيد استيعاب القادة المتمردين داخل الجيش لأنها ببساطة لم تعد تملك ترف الإقصاء.
الأنظمة القوية تختار من تحتفي به. أما الأنظمة المرتبكة، فتحتفي بمن لا تملك رفاهية رفضه.
في النهاية، ما نشهده ليس “عودة إلى الرحم” كما يحلو للبعض تصويره، بل أقرب إلى محاولة إنعاش في غرفة طوارئ سياسية. المشكلة أن المريض هنا لا يعاني من نقص في الأفراد، بل من خلل عميق في البنية، لا تعالجه عودة منشق، ولا تغطيه ضجة إعلامية.
وهكذا، يستمر العرض… جمهور يصفق، إعلام يبالغ، وواقع على الأرض يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.