ضمن تراجيديا الوجود السوداني شاهدنا للمرة الثانية جنود الجيش بجانب عتادهم في دولة جنوب السودان، منسحبين من هجليج. صحيح أن الحرب كر وفر إلى أن يُقضي أمرها. ولكن منظر العتاد العسكري، وحارسيه، من الجنود يثير الشفقة، والحسرة، على وضعية مهينة لجيش غنى له المغنون من قبل، تمجيداً وتعظيماً لتاريخه. ذلك برغم أن حقيقة جيشنا طوال تاريخه كان مثل حصان يمتطيه كل من يصل للسلطة ليبطش بالمواطنين، ويحرمهم من التداول السلمي للسلطة.
انسحاب، أو هزيمة الجيش، في الاونة الأخيرة من هجليج، وبارا، والفاشر، وبابنوسة، سيان. فالحقائق على أرض المعركة تقول إنه رغم الانتصارات التي حققها الجيش باسترداد الجزيرة، والخرطوم، وسنار، فإن الدائرة دارت عليه ليتجرع علقم الهزيمة في غالب مدن الغرب، كما تجرعها الدعامة وهم يكرون نحو دارفور. ولو سارت الأمور بهذه الطريقة فإننا لا ندري وجهة الدعم السريع القادمة: أهي إعادة احتلال تلك المناطق التي فقدها بالانسحاب، والهزيمة، أم أنه سيكتفي بتأمين وجوده في غرب السودان إذا ما كان مع حلفائه ينوون فقط تركيز سلطتهم في مناطق سيطرتهم؟
إذا وسعنا دائرة النظر لهذه التراجيديا السودانية فإن الوضع الميداني الآن ينذر بكل إمكانية للتصعيد إذا لم يتسن للأطراف الدولية فرض الهدنة بالحسنى، أو القوة.
لاحظنا أن هناك أصواتاً إسلاموية وأخرى محسوبة للتيار المنادي باستمرار الحرب قد خرجت لتحث البرهان بالسعي للتفاوض لإنقاذ السودان: صلاح كرار، وعصام أحمد البشير. وهذا أمر محمود ما دمنا نتعشم عودة العقل في ساحة كل الأطراف المتورطة في الحرب لمراعاة فداحة كلفة الاستمرار فيها، والتي كما نقول منذ بدئها أنها تعرض جغرافيا السودان الحالية للتشظي بعد حصد مئات الآلاف من المدنيين، والعسكريين، على حد سواء.
إن الهدنة في حد ذاتها ضرورية للطرفين لالتقاط أنفاسهما، وإدخار جهدهما، ومقاتليهما، ومنح المواطنين السودانيين الأمل في أن يتبعها توافق سياسي يفضي إلى المحافظة على السودان الموحد، وإعادة من ثم بناء البلاد، ومحاسبة الذين شاركوا في الانتهاكات المروعة. وفوق كل هذا إقامة جسر دولي لإغاثة السودانيين في المناطق المتضررة، وتوفير خدمات العلاج للمرضى، والعثور على المفقودين، وغيرها من المهام الأساسية للحكومة المرتقبة.
أما التذرع من جانب المؤيدين للحرب بأن الهدنة قد تثمر عن إحداث التقسيم لجغرافيا السودان بأن تكون هناك حكومتان – واحدة في بورتسودان وأخرى تتعهدها تأسيس في نيالا – أمر لا يفرز إلا المزيد من الدمار، وحصد أرواح الأبرياء بجانب الأطراف المقاتلة.
احتمالات انتصار طرف على الآخر قد تحدث في حال استمرار الحرب بعد سنوات قد تطول. ولكن كل البدائل المتعقلة تحسب للكلفة العظيمة لهذا النصر المتوهم، وما سيترتب عليه من كوارث إنسانية، وإهدار للموارد.
إن مواصلة إصرار البرهان، وجيشه، ومؤيديه، على “ركوب الرأس” سينجم عن تصعيب فرص الحل لا محالة. وضف أنه سيسهم في تجزئة البلاد وربما فقدان بعض المناطق التي يسيطر عليها الجيش الآن. ولعل هذا السقوط الأخير للمدن مجرد إنذار بتجدد القتال في المناطق التي كان يسيطر عليها. على أن كل شي وارد في هذه الحرب المفتوحة حتى نصحى يوماً لنجد أن الجيش قد استمات في هزيمة الدعم السريع إذا توفرت له فرص مضاعفة الإمداد من الدول التي تدعمه الآن. ولكن في كل الأحوال فإن استمرار الحرب قد يضاعف من الناحية الأخرى الدمار للبنيات التحتية المهترئة أصلاً، ووصول الأرواح المهدرة إلى أرقام مليونية.
نحن نوقن تماماً أن الدعم العربي والإسلامي للجيش لا يقيه بالكفاية من الأهداف الإقليمية، والدولية، ضد منظومة بورتسودان التي ترتبط باتجاهات إسلاموية متطرفة تتبنى فكر الإخوان المسلمين، ويعتبرها الغرب حاضنة محتملة لجماعات إرهابية قد تعرض سلام حلفاء الولايات المتحدة للخطر.
هذه القراءة الموضوعية للظروف الإقليمية، والدولية، التي تحيط بالسودان – مقرونة بتشظي الداخل – تتطلب من جميع العقلاء السودانيين تكثيف الضغط على البرهان، وأعوانه للقبول بصعوبة مواجهة هذه التحديات الجيوبوليتيكية، بدلاً عن غض الطرف عنها بالحماقة، والاستهتار، والتهاون. ولا شك أن العبء الأكبر يقع على تياراتنا السياسية، ونخبنا المركزية، لتتخلى عن انحيازاتها الواضحة، والمستترة، لهذا الطرف أو ذاك لابتدار تحالف جديدة تكون له الغلبة في تشكيل الرأي العام، ومن ثم السعي نحو إنقاذ البلاد من الضياع. وبخلاف هذه الخطوة فلنسلم أنفسنا للاحتمال الأسوأ.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.