الصمت السعودي في حرب السودان..تمويل غير داعم ودور يُدار من الخلف وحسم مؤجَّل
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
مدخل
في لحظات انهيار الدول، لا يكون أخطر المواقف هو الانحياز الفجّ، بل الصمت المحسوب حين تتكشّف الوقائع. حادثة قصف قافلة الإغاثة التابعة لبرنامج الأغذية العالمي لم تكن مجرد واقعة ميدانية، بل لحظة كاشفة لتاريخ طويل من إدارة النفوذ الإقليمي في السودان، وفي القلب منه الدور السعودي، ليس بوصفه فاعلًا صاخبًا، بل كقوة صامتة تُمسك بالخيوط وتترك الآخرين في الواجهة.
الروايات المتصارعة… وأين وقفت السعودية؟
عقب الهجوم، اندفعت رواية متعجّلة اتهمت قوات الدعم السريع، رغم معطيات ميدانية مستقرة: الدعم السريع لا يملك طيرانًا، والسيطرة الجوية بيد الجيش السوداني، ونمط الضربة ومسارها جويّان. في المقابل، صدرت بيانات نفي واضحة من الدعم السريع، وتبنّى تيار وسط مدني وقانوني مطلب التحقيق الدولي المستقل.
أما السعودية فاختارت الصمت. لا تبنٍّ لرواية الجيش، ولا دفاع عن الدعم السريع. هذا الصمت ليس حيادًا أخلاقيًا، بل امتداد لمنهج تاريخي في إدارة الأزمات: الانتظار حتى تتضح الكلفة القانونية والسياسية، ثم إعادة التموضع.
السياق التاريخي: السعودية والتمويل غير الحاسم منذ السبعينات
منذ سبعينات القرن الماضي، ارتبط الدور السعودي في السودان بنمط تمويل يمكن وصفه بأنه غير داعم وغير حاسم. لم يكن غائبًا، لكنه لم يكن مُمكِّنًا لبناء دولة. في الزراعة، ضُخت استثمارات ركزت على الإنتاج الخام لا على سلاسل القيمة. في التعليم، قُدمت منح فردية ودعم دعوي لم يتحول إلى منظومات تعليم وطني حديث. في التمويل، تدفقت الموارد عبر قنوات مصرفية محافظة بلا أي اشتراطات إصلاح مؤسسي.
هذا النمط لم يكن صدفة، بل خيارًا سياسيًا: تمويل الحركة دون تمكين الدولة.
التمويل كخلط أوراق اجتماعي وديموغرافي
بلغ هذا النهج ذروته في عهد نظام البشير، حين تلاقى المال والصمت السياسي مع مشروع خلط سكاني واسع، تمثل في السماح بجلب أعداد كبيرة من عرب الشتات إلى السودان. لم يكن ذلك مشروع لجوء إنساني ولا اندماجًا وطنيًا، بل هندسة ديموغرافية ناعمة أعادت ترتيب التوازنات السكانية، ووفرت غطاءً لتعريب قسري غير مُعلن.
لم يكن المشروع سعوديًا معلنًا، ولا قرارًا سودانيًا خالصًا، بل تواطؤًا صامتًا: تمويل بلا مساءلة، ودعم بلا شروط وطنية، وصمت عن النتائج بعيدة المدى.
السودان كحديقة خلفية: الاقتصاد والعمالة
اقتصاديًا، جرى التعامل مع السودان كحديقة خلفية: أرض للزراعة، مخزن للغذاء، وخزان للعمالة عالية القيمة. الأطباء، المعلمون، والمهندسون الذين موّل السودان تعليمهم، جرى تصديرهم إلى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، بأجور منخفضة، ومدد خدمة طويلة، وحماية قانونية ضعيفة.
القيمة المضافة لم تُبنَ داخل السودان، بل استُنزفت خارجه، بينما تُرك الاقتصاد المحلي هشًا يعتمد على التحويلات لا الإنتاج.
الدور الأمريكي وحدود الحسم العسكري
في هذا السياق، جاء الدور الأمريكي بوصفه منظمًا للصراع لا حاسمًا له. التحقيقات، الضغط الإنساني، ومنع أي نصر نظيف، كلها أدوات لإبقاء الصراع تحت سقف يمكن التحكم فيه. حتى لو تغيّر ميزان السماء بدعم مصري أو تركي، فإن الجغرافيا، والتحقيقات الدولية، وكلفة المدنيين تمنع حسمًا عسكريًا مستدامًا.
ما يجري في الكرمك والنيل الأزرق يوضح أن الأرض، لا السماء، هي من تفرض الإيقاع.
الخلاصة
السعودية تعرف، لكنها تصمت. صمتها ليس ارتباكًا، بل امتداد لتاريخ من تمويل غير داعم وتنمية لا تبني دولة. أمريكا تضبط ولا تحسم. والسماء قد تُربك الخريطة، لكنها لا تكتب النهاية.
في السودان، الحسم إن جاء، فسيكون سياسيًا قبل أن يكون عسكريًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.