عودة الجقور الكيزانية!

بثينة تروس

الحرب لم تنته بعد، ومع ذلك خرجت الجقور الكيزانية من جحورها، جيوبها خاوية وعيونها تلمع شراهة للمال العام، مترصدة عودة لمواطنين أنهكتهم نيرانها. فلقد اعتادوا التعامل مع الشعب على أنه صاحب ذاكرة سمكية، ينسى كل فضيحة وكل جريمة كبرى ارتكبتها قياداتهم، بمجرد تحويل الأنظار إلى محنة مصطنعة تستغل العواطف الدينية، أو إشعال معارك متخيلة ضد عملاء وخونة، أو التصريحات بمؤامرة عالمية مزعومة على الدولة الإسلامية! لكن رهانهم خاب، فما من واقعة فساد إلا انكشفت، وما من محاولة تستر خلف حرب الكرامة! إلا فضحها الواقع، بعد أن توهموا انهم حماة الوطن من الخيانة.

فهاهم يعيدون إلى الأذهان ذكرى كبري المنشية، الذي يربط شرق العاصمة بغربها، حين تصدع وتآكل، بينما كانوا هم ينخرون المال العام بالتمكين. يومها خرجوا ببيان حكومي في عام 2015 يزعم أن جيوشاً من الفئران- الجقور هي من أكلت الجدران وأدت إلى تهالكه، في رواية عبثية تختصر استهانتهم بعقول الناس.

واليوم، تحت لافتة تعمير الخرطوم وصيانة كباريها التي دكها الجيش وميليشياته المستنفرة، تنفيذا لخطط اللايفاتيه عبر القارات وتوجيهاتهم لسير المعارك علي الأرض، بحجة منع استخدامها من قبل مليشيات الدعم السريع، يعلنون عن مشروع جديد يثير الريبة، صيانة كبري الحلفاية بمبلغ 11 مليون دولار! رقم خرافي يرصد للصيانة لا لإنشاء جسر حديث بمواصفات تقنية عالية ومعايير سلامة متقدمة، بل عودة إلى نفس دائرة الاستثمار الخاصة بالمتمكّنين، حيث تتقاطع المصالح السياسية مع الامتيازات الاقتصادية في مشهد مألوف لا تخطئه الذاكرة السودانية.

فقد تداولت وسائط التواصل الاجتماعي معلومات بأن الفريق إبراهيم جابر أوكل إلى شركة إبراهيم بلة المكاوي صيانة كبري الحلفاية وهو الذي أوكلت اليه سابقاً تنفيذ مشروعات كباري وطرق خلال حقبة نظام المؤتمر الوطني، وتشير ذات التداولات إلى أن إبراهيم بلة المكاوي أُبعد من المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية في فترة سابقة، بسبب علاقات عمل وتنظيم قيل إنها ربطته بأسامة بن لادن.

كما يذكر أن من وقع العقد الحالي هو محمد إبراهيم بلة المكاوي، صهر علي عثمان محمد طه، القيادي البارز في تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، والذي يواجه اتهامات تتصل بأحداث انقلاب 30 يونيو 1989 سواء صحت هذه المعلومات كاملة أو جزئيا، فإن ما يثير القلق حقاً هو عودة شبكات المتمكنين إلى واجهة المشهد الاقتصادي، وإعادة تدوير الوجوه والعلاقات ذاتها تحت لافتة الإعمار واعادة إنتاج منظومة المصالح القديمة بذات الحيل.

في المقابل تداول مهندسون أكفاء كتابات فنية تفند الرواية الرسمية وتكشف ما وصفوه باستخفاف الإخوان المسلمين المعتاد بعقول الناس، أكدوا أن المبلغ المرصود خرافي قياسا بحجم العطل، وأن الخلل الهندسي طفيف ولا يتطلب سوى تدخل مهني من مهندسين شرفاء يحترمون اقتصاد دولة تدار حربها على حساب الصحة والتعليم ومرتبات الموظفين، وتوجه أولوياتها نحو التسليح وشراء المسيّرات.

وأوضحوا أن الإصلاح يمكن إنجازه بآليات هندسية ومعدات متوفرة وعمّالة عادية، وأن التكلفة بأعلى التقديرات لا تتجاوز مليون دولار. والفارق الفاضح بين الكلفة الواقعية وتضخيم الأرقام في زمن الخراب، من خلفه نفوس لا ترحم هذا الشعب المكلوم.

إن جشع الجقور الكيزانية لا يعرف حرجاً ولا يتورع عن التهام المال العام، لقد أكلوا ديوان الزكاة، والأوقاف، والحج والعمرة، والمنظمات الدعوية الإسلامية، والإغاثات والمعونات، حتى فاحت رائحة الفساد فهم علي قول المثل (يأكلوا مال النبي) ولأنهم اعتادوا الإفلات من المساءلة، ولم يقيموا للعدالة وزناً، عادوا اليوم إلى سيرتهم الأولى، أشد جشعاً بعد سنوات الحرب التي استنزفت مدخراتهم وثرواتهم المنهوبة. البنوك شحيحة السيولة، المصانع بيعت، المشاريع الزراعية صارت خراب وارضاً بور، ولم يتبقي لهم غير عودة ضحيتهم الكبرى المواطن، لتلتهم ما تبقى من مدخراته، وما يرسله الأبناء والأهل من إعانات، بين رشاوى لإنجاز المعاملات، وكلفة علاج، وفواتير كهرباء ومياه، وضرائب قديمة تضاف إليها ضريبة حرب الكرامة، ورسوم دمغة شهيد وجريح المليشيات الإسلامية والقوات المشتركة.

في السابق، كانت الإتاوات تفرض بالتهديد والسجن، أما اليوم، وقد صار السلاح في متناول الجميع وغاب القضاء الذي يحترم الحقوق، فقد انتقلت الأحكام إلى الشوارع. تختلق التهم بين عمالة وتخريب، بل وحتى الانتماء إلى المدنيين (قحاطة)، ليغدو الاتهام أداة ابتزاز، ويصبح الخوف هو القانون. أخيرا ليعلم كل من ناصر استمرار الحرب فلقد ناصر عودة الكيزان الجقور لفقه التحلل ومواصلة الفساد وسرقة أموال الشعب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.