من أسمرا إلى الخرطوم: كيف ينعكس انسحاب إرتريا من (الإيغاد) على حرب السودان؟

تقرير – عين الحقيقة

في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، أعلنت إرتريا الأسبوع الماضي خروجها من الهيئة الحكومية للتنمية (الإيغاد)، لتعيد فتح أسئلة جوهرية حول مستقبل العمل الإقليمي المشترك في القرن الأفريقي، وقدرة القارة على إدارة أزماتها المتشابكة بعيدًا عن منطق الاصطفافات الحادة وسياسات المحاور. هذا الخروج لا يمكن قراءته كقرار إداري معزول، بل كتحوّل استراتيجي يعكس توتّرًا مزمنًا بين الرؤى الوطنية الضيقة ومتطلبات الأمن الجماعي.

يمثل انسحاب إرتريا مؤشّرًا مقلقًا على هشاشة البنية الإقليمية الأفريقية، حيث تتزايد النزاعات العابرة للحدود، وتتراجع الثقة في آليات الحل الجماعي..

الإيغاد بين الضرورة والاختبار
تأسست الإيغاد كمنصة إقليمية لمعالجة قضايا الجفاف والتنمية، ثم تطورت أدوارها لتشمل الوساطة السياسية وحفظ السلم، خصوصًا في ملفات السودان، جنوب السودان، الصومال وإثيوبيا. غير أن المنظمة واجهت، خلال السنوات الأخيرة، انتقادات تتعلق ببطء الاستجابة، وتباين مواقف أعضائها، وتزايد تأثير الحسابات الثنائية على حساب الإجماع الإقليمي. خروج إرتريا يأتي ليعمّق هذا المأزق، ويطرح تساؤلًا حول قدرة الإيغاد على الحفاظ على حدٍّ أدنى من التماسك المؤسسي.
تحديات القارة الأفريقية في ظل الانسحاب
يمثل انسحاب إرتريا مؤشّرًا مقلقًا على هشاشة البنية الإقليمية الأفريقية، حيث تتزايد النزاعات العابرة للحدود، وتتراجع الثقة في آليات الحل الجماعي. القارة التي تواجه تمدد الجماعات المسلحة، وأزمات الحكم، وتغيّر المناخ، تحتاج إلى مزيد من التنسيق لا إلى تفكيك الأطر القائمة. كما أن هذا الخروج قد يشجّع دولًا أخرى على تفضيل العمل الأحادي أو التحالفات الظرفية، ما يضعف منظومة الاتحاد الأفريقي برمتها.

يُعدّ القرن الأفريقي أحد أكثر الأقاليم حساسية للأمن الدولي، لارتباطه بالملاحة في البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وتوازنات القوى الدولية..

الأثر على الصراع السوداني
في السياق السوداني، يرى خبراء أن خروج إرتريا يأتي في لحظة حرجة تشهد صراعًا دمويًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مع تعقّد المسارات السياسية والإنسانية. للإيغاد دور مركزي – وإن كان محل جدل – في جهود الوساطة ومحاولات جمع الأطراف السودانية والإقليمية. غياب إرتريا عن هذه المنصة قد يقلّص من فرص تنسيق المواقف الإقليمية، خصوصًا أن لإرتريا وزنًا جيوسياسيًا وتأثيرًا غير مباشر في معادلات البحر الأحمر والحدود الشرقية للسودان. هذا الفراغ قد يُستغل لتوسيع دائرة الصراع أو إطالة أمده.
الأمن الإقليمي ومعادلة البحر الأحمر
يُعدّ القرن الأفريقي أحد أكثر الأقاليم حساسية للأمن الدولي، لارتباطه بالملاحة في البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وتوازنات القوى الدولية. خروج إرتريا من الإيغاد يضعف قنوات التنسيق الأمني، ويزيد من مخاطر سوء التقدير بين الدول المتجاورة. كما قد يدفع الفاعلين الدوليين إلى التعامل الثنائي مع الدول، بدلًا من المقاربة الإقليمية الشاملة، وهو ما يفاقم الاستقطاب.

تعتمد الأمم المتحدة وشركاؤها على المنظمات الإقليمية كأذرع تنفيذية للوساطة وبناء السلام. تراجع فاعلية الإيغاد يضعف هذه الشراكة..

الآليات الدولية وآليات المناصرة
على الصعيد الدولي، تعتمد الأمم المتحدة وشركاؤها على المنظمات الإقليمية كأذرع تنفيذية للوساطة وبناء السلام. تراجع فاعلية الإيغاد يضعف هذه الشراكة، ويعقّد جهود المناصرة الدولية لوقف الحرب في السودان وحماية المدنيين. كما أن غياب إجماع إقليمي يحدّ من الضغط السياسي والدبلوماسي على أطراف النزاع، ويمنحها هامشًا أوسع للمناورة.
رؤية تحليلية للمستقبل
خروج إرتريا من الإيغاد يجب أن يكون جرس إنذار للقارة الأفريقية: إما مراجعة صادقة لآليات العمل الإقليمي وتعزيز استقلاليتها وحيادها، أو الاستعداد لمزيد من التفكك والفوضى. المطلوب ليس فقط استعادة إرتريا إلى الإطار الإقليمي، بل إعادة تعريف دور الإيغاد ليكون أكثر توازنًا وفعالية، وقادرًا على إدارة الأزمات المعقّدة بروح الشراكة لا الإملاء.
استقرار السودان، وأمن القرن الأفريقي، ومستقبل البحر الأحمر، كلها ملفات مترابطة لا تحتمل مزيدًا من الانقسامات. وخروج إرتريا من الإيغاد، إذا لم يُحتوَ سياسيًا، قد يتحول من حدث عابر إلى نقطة تحوّل تزيد من هشاشة الإقليم، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد في دعم السلام والأمن في أفريقيا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.