هجليج بين النفط والسيادة: اتفاق إقليمي يثير صمت الجيش وغضب المواطنين
تقرير: عين الحقيقة
يسود الغموض المشهد الأمني في منطقة هجليج النفطية الاستراتيجية، بعد إعلان رسمي من دولة جنوب السودان عن اتفاق أمني ثلاثي يجمع بين حكومة جوبا، والجيش السوداني، وقوات الدعم السريع لحماية حقول النفط. في المقابل، يلتزم الجيش السوداني الصمت الرسمي، بينما يملأ أنصاره منصات الإعلام بنفي قاطع، وسط غضب شعبي من التناقض الواضح في أولويات الحرب.
كشف وزير الإعلام بدولة جنوب السودان عن اتفاق نادر يقضي بانتشار قوات تابعة للجيش الجنوبي داخل الأراضي السودانية في “هجليج”، بهدف حماية البنية التحتية النفطية وتأمين تدفق النفط الذي يشكل شريانًا اقتصاديًا حيويًا لكل من الخرطوم وجوبا.
وعززت قوات الدعم السريع هذه الرواية بنشر مقاطع فيديو توثق دخول القوات الجنوبية إلى المنطقة، في مشهد بدا أنه يؤكد وجود تنسيق مسبق، ويمثل خطوة غير مألوفة في سياق النزاع الدائر، حيث عادةً ما تكون الاتفاقات مع أطراف أجنبية موضع حساسية شديدة لدى الجيش السوداني.
في المقابل، لم يصدر أي تعليق رسمي من القوات المسلحة السودانية يؤكد أو ينفي الاتفاق، بينما شنت المنصات الإعلامية والناشطون المقربون من الجيش وحلفائه الإسلاميين حملة نفي واسعة، معتبرين أن التفاوض أو التنسيق مع قوات أجنبية على الأراضي السودانية يشكل “تنازلاً مرفوضًا”.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الصمت الرسمي يكرس ما وصفوه بسياسة “الإنكار الممنهج” التي تتبعها قيادة الجيش والحركة الإسلامية منذ بداية الحرب، حيث غالبًا ما يتم إنكار أو التراجع عن أي مسارات تفاوضية بعد ظهورها للعلن، كما حدث مع اتفاقيات جدة والمنامة، ما يثير الشكوك حول مصداقية الجيش وإعلامه الرسمي.
المفارقة التي أثيرت بعد إعلان الاتفاق أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا؛ فبينما تم قبول حماية البنية التحتية النفطية بواسطة قوات أجنبية، لا يزال الجيش يرفض أو يعطل اتفاقيات مماثلة لحماية المدنيين في مناطق النزاع مثل الفاشر ومدن أخرى.
أحد المواطنين في الفاشر عبّر عن استيائه قائلاً: “نفهم أن النفط مهم للاقتصاد، لكن حماية حياة المدنيين أولوية قبل أي شريان اقتصادي. لا يمكن للجيش أن يكون صارمًا في حماية الأنابيب ومتساهلًا في حماية الناس”.
وأشار محلل سياسي إلى أن “السودان يعيش أزمة أولويات حادة، فالجيش يركز على ما يمكن أن يوفر له مكاسب اقتصادية وسياسية سريعة، ويتجاهل المعاناة الإنسانية للمدنيين، في محاولة لتسويق ‘نصر وهمي’ عبر الإعلام بدل التعامل مع الحقائق الميدانية”.
وأكد خبراء أمنيون أن الاتفاق يعكس واقعًا جديدًا على الأرض، حيث بات الجيش غير قادر على حماية المنشآت الحيوية بمفرده، ودخول قوات جنوبية لتأمين النفط يعكس نوعًا من الواقعية السياسية، لكنها في الوقت نفسه تضع السيادة السودانية على المحك.
وشدد محلل آخر في الخرطوم على أن الصراع بين ما هو اقتصادي وما هو إنساني يفضح ازدواجية المعايير: “الجيش يقبل اتفاقًا يحمي الموارد، لكنه يرفض أي اتفاق يحمي المدنيين، وهذه رسالة سياسية داخلية أكثر منها أمنية”.
تضع التطورات في هجليج السودان أمام تحديات معقدة؛ فبينما يرى فريق أن دخول قوات أجنبية يحمي النفط يمس السيادة الوطنية، يرى آخرون أن حماية المصالح الاقتصادية ضرورة ملحة لمنع الانهيار الشامل.
ويبقى السؤال قائمًا: هل يشهد السودان استمرارًا في الصراع الإعلامي والعسكري حول ما تبقى من مقدرات البلاد، أم أن واقعية الحرب ستفرض إعادة ترتيب الأولويات لتوازن بين حماية الموارد وحماية المدنيين، في ظل غموض موقف الجيش الرسمي؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.