القائد الأعلى للهزائم والتظاهرات المزيفة

أ/ سليم محمد عبد الله

السودان بين الإنكار والواقع القاسي

في ديسمبر 2025، جاء هجوم الطائرات المُسيّرة على بعثة الأمم المتحدة في كادوقلي ليكون صفعةً مدويةً للواقع السوداني، وأيقظ المجتمع الدولي على هشاشة السيطرة العسكرية وانكسار الخطاب الرسمي. ستة قتلى وعشرات المصابين، ومع ذلك استمرت تصريحات القائد الأعلى للقوات المسلحة الانقلابية في إنكار أي دور للحركة الإسلامية أو الإخوان المسلمين في إدارة الحرب، في محاولة واضحة لتجميل الهزائم وتقديم صورة زائفة للانتصارات.

في المقابل، جاء حديث عضو بارز في الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين ليكشف الوجه الآخر للحرب، موضحًا أن 70% من القوة الفعلية في ميادين القتال يخضع لإدارة الحركة الإسلامية داخل الجيش، وأن كتائبها وضباطها هم من يتحكمون بمصير المعارك.

بين الإنكار الرسمي وواقع الأرض، وبين التظاهرات المزيفة والهزائم المتكررة، يتضح أن السودان يعيش لحظة صراع مزدوجة.

1. حديث القائد الأعلى الانقلابي: خطاب الزيف مقابل الهزائم الواقعية

في سلسلة تصريحات متكررة، حاول القائد الأعلى للقوات المسلحة الانقلابية تصوير الجيش كقوة مستقلة وحيادية، بعيدة عن أي تأثير تنظيمي للحركة الإسلامية أو الإخوان المسلمين، وأن الحرب نزاع وطني بحت.

لكن الواقع الميداني يكشف هزائم متتالية في بابنوسة وهجليج وجنوب كردفان، حيث تكبّد الجيش خسائر فادحة في المعدات والجنود، وتراجع إلى مواقع دفاعية ضعيفة، دون تحقيق أي انتصار استراتيجي.

خطاب القائد الأعلى هنا يخدم غرضًا واحدًا: تغطية الفشل العسكري وتحويل الانتباه عن الهزائم المتكررة، مستعينًا بالتظاهرات المؤيدة كستار لإيهام الداخل والخارج بأن الجيش يحقق انتصارات.

2. تصريحات الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين: كشف الدور الحقيقي

على النقيض، جاء حديث عضو بارز في الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين ليكشف أن:

نحو 70% من القيادة الفعلية للمعارك تأتي من الإطار التنظيمي للحركة الإسلامية.

كتائب الضباط والمقاتلين هم من يضعون الخطط ويقودون العمليات.

التظاهرات المؤيدة لم تُظهر إرادة شعبية حقيقية، بل كانت أداة سياسية لتجميل الهزائم.

هذا التصريح يضع خطاب القائد الأعلى في مواجهة صعبة مع الواقع، ويكشف هشاشة مزاعم السيطرة على الأرض، إذ إن القوة الميدانية الفعلية ليست بيد القيادة الرسمية كما يُصوَّر، بل بيد التيار الإسلامي، الذي يقرر مصير المعارك ويحدد مدى إمكانية تحقيق أي “انتصار” مزعوم.

3. الهزائم الميدانية والسياسية: واقع يكشف تضليل الخطاب الرسمي

الهزائم المتكررة تؤكد أن الخطاب الرسمي لا يمثل الواقع:

بابنوسة وهجليج: خسائر بشرية ومعدات كبيرة، انسحابات متكررة، وفشل في السيطرة على مواقع استراتيجية.

جنوب كردفان وكردفان: تصعيد مستمر، نزوح داخلي، وانهيار الأمن المحلي.

الهجمات على قوات الأمم المتحدة: مؤشر على عدم قدرة الجيش على ضبط النزاع داخل حدوده، وفشل في حماية المدنيين.

والأخطر أن الاعتداء على البعثة الأممية بدا وكأنه جزء من استراتيجية مقصودة لصناعة ضجيج دولي يطمس واقع الهزائم في الميدان، ويمنح المؤسسة العسكرية الانقلابية هامشًا للهروب من ضغط الشارع السوداني. وفي بُعد أكثر قتامة، يُنظر إلى الهجوم على القوات الأممية باعتباره محاولة لإعادة توجيه البوصلة الدولية وصناعة سردية بديلة تُشغل الداخل السوداني وتخفف من وقع الهزائم العسكرية المتراكمة.

التظاهرات المؤيدة، رغم ما تبدو عليه من حشود، تعكس خللًا واضحًا بين الواقع الإعلامي والواقع الفعلي، إذ تُستخدم كغطاء لإيهام الجمهور بأن الجيش يحقق نجاحات، بينما الحقيقة تقول العكس.

4. الإنكار الرسمي مقابل الحقيقة الفعلية: أزمة المصداقية

حين ينفي القائد الأعلى وجود الإسلاميين داخل الجيش، ويؤكد عضو الحركة الإسلامية العكس، يصبح الوضع مأزومًا على مستويات عدة:

فقدان الثقة الداخلية في القيادة.

ضعف قدرة الجيش على توحيد الصفوف الميدانية.

تقويض مصداقية الخطاب السياسي أمام المجتمع الدولي.

الهزائم المستمرة تجعل أي بيانات رسمية أو تصريحات عن “القضاء على التمرد” غير قابلة للتصديق. فالحديث عن الانتصارات لا يعكس الواقع الميداني، والتظاهرات المزيفة لم تعد كافية لإخفاء الفشل.

5. التظاهرات المزيفة: أداة إعلامية لتجميل الهزائم

الجيش الانقلابي لجأ إلى التظاهرات المؤيدة لتغطية الواقع الميداني المأساوي:

حشد محدود يظهر وكأنه دعم شعبي واسع.

الإعلام الرسمي يضخم المشهد ليخدع الداخل والخارج.

في الوقت نفسه، تستمر الهزائم في جميع محاور القتال، مما يكشف الفجوة بين الواقع والصورة الإعلامية.

التظاهرات هنا ليست انعكاسًا لرأي الشارع، بل أداة لشرعنة القيادة العسكرية في وجه الهزائم المتكررة.

6. الحرب ليست على الأرض فقط

السودان اليوم في مواجهة مزدوجة:

الحرب على الأرض، حيث الهزائم تتراكم.

الحرب على الحقيقة، حيث الانتصارات المزعومة والخطاب الرسمي يحاول تزييف الواقع.

تؤكد الأحداث أن:

التيار الإسلامي والإخوان المسلمين هم القوة الفاعلة الفعلية في المعارك.

القيادة الرسمية تحاول استغلال الإعلام والتظاهرات لتغطية الفشل.

المجتمع الدولي بات يراقب بدقة، وخصوصًا بعد الهجوم على بعثة الأمم المتحدة في كادوقلي، مما يعزز الضغط السياسي والدبلوماسي على السودان.

7. الواقع يفرض نفسه على الإنكار والتزييف

الحديث الرسمي للقائد الأعلى، مقابل تصريحات عضو الحركة الإسلامية، يكشف عمق الأزمة السياسية والميدانية:

إنكار الواقع لا يخلق انتصارات.

التظاهرات المزيفة لا يمكن أن تُخفي الهزائم الميدانية.

السلطة الفعلية في الحرب ليست في يد القيادة الرسمية، بل في يد التيار الإسلامي، الذي يقرر مصير المعارك.

في نهاية المطاف، التاريخ لا يُصاغ بالشعارات أو التظاهرات المؤيدة، بل بمدى قدرة القيادة على تحقيق انتصارات فعلية، وإدارة الصراع بشفافية ومصداقية. الهزائم المتكررة، والتظاهرات المزيفة، والتناقضات في الخطاب الرسمي تجعل السودان اليوم في مواجهة حقيقية مع ذاته، ومع مؤسسات الجيش، ومع المجتمع الدولي، لتحديد مستقبل الدولة والشعب على حد سواء.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.