تشهد ولاية جنوب كردفان تصعيداً متسارعاً في العمليات العسكرية، مع تركيز متزايد على منطقة (حلة برنو) الواقعة على التخوم بين ولايتي جنوب وغرب كردفان. ولا تبرز حلة برنو كموقع جغرافي عابر، بل كنقطة استراتيجية محورية تتحكم في خطوط الإمداد، وتشكل البوابة الغربية لمدينة كادقلي، عاصمة الولاية.
وأكد ناشطون، صباح اليوم الجمعة 19 ديسمبر، بث مقاطع مصوّرة توثق سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة حلة برنو عقب معارك عنيفة. وتشير تحليلات ميدانية إلى أن هذه السيطرة تمثل تحولاً استراتيجياً خطيراً، يهدد بعزل وتطويق مدينتي كادقلي والدلنج بصورة شبه كاملة.
الأهمية الجغرافية: مفتاح كادقلي وشريان الدلنج
تقع حلة برنو بمحلية الريف الشرقي بولاية جنوب كردفان، على تماس مباشر مع ولاية غرب كردفان، وهو ما يمنحها موقعاً حيوياً باعتبارها نقطة عبور رئيسية بين مناطق النفوذ المتقابلة. وتبعد المنطقة نحو 60 كيلومتراً غرب مدينة كادقلي، وتقع على الطريق الحيوي الرابط بين كادقلي والدلنج، والذي يمثل شرياناً لوجستياً أساسياً تعتمد عليه القوات المسلحة في نقل الإمدادات والتعزيزات، وتنسيق الدفاعات بين المدينتين.
تهديد التطويق: قاعدة متقدمة للدعم السريع
تزامناً مع تكثيف هجمات الطائرات المسيّرة التي تشنها قوات الدعم السريع على كادقلي والدلنج، برزت حلة برنو كهدف عسكري ذي أولوية عالية. وتحقق السيطرة على المنطقة هدفين رئيسيين؛ أولهما: وضع كادقلي تحت تهديد مباشر من الجهة الغربية، وتسهيل نقل القوات والمعدات من غرب كردفان إلى عمق جنوب كردفان. وثانيهما: قطع طريق كادقلي–الدلنج بصورة فعّالة، بما يعزل المدينتين عن بعضهما، ويقوض قدرة الجيش على المناورة والدعم المتبادل.
البعد الإنساني: نزوح مبكر ومؤشرات إنذار
وقبل أسابيع من السيطرة المعلنة، شهدت المنطقة موجات نزوح واسعة نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية. وأعلنت منظمة الهجرة الدولية، يومي 26 و27 نوفمبر 2025، نزوح 1,040 شخصاً من قرية حلة برنو بمحلية الريف الشرقي، بسبب تفاقم انعدام الأمن. وأفادت المنظمة بأن النازحين توزعوا على مواقع متفرقة داخل محليتي الريف الشرقي وكادقلي، وسط أوضاع وصفتها بـ«المتوترة والمتقلبة للغاية».
كما أعلنت المنظمة، خلال الفترة ذاتها، نزوح 310 أشخاص آخرين من قرى بجنوب كردفان، ليرتفع إجمالي عدد النازحين إلى 1,455 شخصاً خلال أيام قليلة.
وتربط منظمات أهلية محلية موجة النزوح بهجمات وانتهاكات نُسبت إلى قوات الدعم السريع، إضافة إلى عمليات تجنيد قسري طالت شباباً من القرى المستهدفة.
سلة الغذاء في دائرة الخطر
لا تتوقف أهمية حلة برنو عند البعد العسكري، بل تمتد إلى الجانبين الإنساني والاقتصادي. إذ تُعد المنطقة من أبرز السلال الغذائية التي يعتمد عليها سكان كادقلي في توفير احتياجاتهم الأساسية.
وأي سيطرة عسكرية عليها تعني التحكم في الموارد الغذائية، ما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية داخل المدينة، في ظل استمرار القتال وصعوبة وصول الإمدادات.
خلاصة المشهد: تحول استراتيجي وتداعيات مفتوحة
تعكس التطورات الميدانية أن حلة برنو باتت نقطة ارتكاز حاسمة في معارك جنوب كردفان، عقب تأكيد السيطرة عليها من قبل قوات الدعم السريع.
ولا يمثل هذا التطور مكسباً تكتيكياً محدوداً، بل خطوة قد تعيد رسم موازين السيطرة في الإقليم، إذ يفتح الطريق أمام تطويق كادقلي وقطع آخر خطوط الإمداد البرية الرئيسية بينها وبين الدلنج. وهو ما ينذر بتداعيات عسكرية وإنسانية بالغة الخطورة على ولاية جنوب كردفان، وإقليم كردفان عموماً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.