صمت نعي قادة «المشتركة» ومعركة الحقيقة في الفاشر: من يدير السرد ومن يدفع الثمن؟

تقرير: عين الحقيقة

بينما يتصاعد الجدل حول أسباب تلكؤ قادة الحركات المسلحة في نعي قادتهم الذين سقطوا خلال أحداث الفاشر، تتباين التفسيرات وتتعدد الروايات، في مشهد يعكس تعقيدات الحرب وتداخل السياسة بالإعلام، ويكشف عن معركة موازية تدور حول “السردية” بقدر ما تدور على الأرض.

تداول ناشطون ومتابعون فرضيات عدة لتفسير الصمت أو التأخير في إعلان مقتل قيادات ميدانية بارزة. فهناك من يرى أن الأمر يرتبط باستحقاقات مالية وتنظيمية داخل الحركات المسلحة، تستدعي التكتم إلى حين تسوية أوضاع داخلية حساسة.

بينما يذهب آخرون إلى أن الصدمة لعبت دوراً حاسماً، خصوصاً بالنسبة لقيادات عليا تخشى أن يؤدي شيوع الخبر إلى تفكك الصفوف وانهيار المعنويات في لحظة حرجة.

وفي هذا الصدد، يُشار إلى حسابات سياسية وإعلامية تتعلق بقيادة حركة جيش تحرير السودان، بقيادة مني أركو مناوي، إلى جانب الحركات الأخري، إذ يرى متابعون أن إعلان مقتل قائد ميداني رفيع في الفاشر ينسف السردية التي جرى الترويج لها منذ أشهر، والتي تصف ما يحدث باعتباره اعتداءات على المدنيين وليست معركة عسكرية مكتملة الأركان. فوجود معركة، وسقوط قادة عسكريين خلالها، يعيد توصيف المشهد باعتباره مواجهة بين قوتين مسلحتين، لا مجرد انتهاكات أحادية الجانب.

وتعزز هذه الشكوك روايات تتحدث عن انقطاع التواصل، لقرابة ثلاثة أشهر، بين قيادات موجودة في بورتسودان وأخرى في الفاشر، مع اتهامات لبيانات إعلامية صادرة خلال تلك الفترة بأنها كانت تضليلية وتُبث من خارج مسرح العمليات.

ويقارن ناشطون هذا الصمت بالضخ الإعلامي المكثف الذي رافق نعي شخصيات أخرى محسوبة على التيار الإسلامي، حيث جرى رفع مكانتهم وتقديمهم كرموز مركزية في معركة الوجود.

ويبرز في قلب هذا الجدل اسم الجنرال عبود، الذي يُنظر إليه كقائد عسكري كبير بالقوات المشتركة.. ووفق مصادر داخل حركة مناوي، كان يُلقب بـ«سام»، ويُنسب إليه إسقاط طائرة أنتنوف تابعة للجيش السوداني في سماء دارفور خلال العقد الأول من حرب دارفور، إبان نظام البشير، بعد تلقيه تدريبات في مجالي الدفاع الجوي في إريتريا وجنوب السودان.. هذه الخلفية تجعل من الصمت حول مصيره لغزاً إضافياً في مشهد مليء بالأسئلة.

ولا تكتمل الصورة دون الإشارة إلى مصير اللواء الخضر، قائد الفرقة السادسة مشاة بالفاشر، والذي ما يزال الغموض يحيط بوضعه، ليضيف حلقة مفقودة إلى لغز الفاشر.

ورغم اختلاف التفسيرات، يتفق كثيرون على أن الحركة الإسلامية لوحدها مستفيدة من هذا المشهد، وهي القوى التي حرضت على استمرار القتال في الفاشر، ورفضت الهدن ومقترحات الخروج الآمن للمدنيين.

ويضع ناشطون حقوقيون أصابع الاتهام على قيادات سياسية وعسكرية، من بينها، مصطفي طمبور، جبريل إبراهيم، مني أركو مناوي، باعتبارهم من أبرز الداعين إلى مواصلة الحرب.

ويحذر فاعلون في المجتمع المدني، لا سيما من إقليم دارفور، من أن تغييب الحقيقة وتأخير إعلان الخسائر لا يخدم سوى إطالة أمد الصراع، مؤكدين أن الشفافية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لحماية المدنيين وفتح الطريق أمام أي مسار جاد لوقف الحرب.

ويشير مراقبون إلى أن معركة السرد لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية نفسها، إذ تُستخدم الروايات المتضاربة كأداة لإدارة الرأي العام، داخلياً وخارجياً، ولحشد الدعم السياسي والمالي، أو لتبرير استمرار القتال رغم كلفته الإنسانية الباهظة.. فحين تُحجب المعلومات من المواطنين أو تُقدم مجتزأة، يصبح المدنيون أول الضحايا، وتضيع الحقيقة بين البيانات المتناقضة والتصريحات الملتبسة.

ويؤكد ناشطون أن استمرار هذا النهج يهدد ما تبقى من ثقة بين أهل دارفور والجيش والمشتركة، ويعمّق حالة الانقسام داخل إقليم دارفور، الذي دفع ثمناً باهظاً للحروب المستمرة منذ العام 2003.

كما يحذرون من أن الصمت عن الخسائر، سواء كانت في صفوف المقاتلين أو المدنيين، يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات ويغذي ثقافة الإفلات من المحاسبة.

تظل معركة الفاشر مثالًا صارخًا على الكيفية التي يمكن بها لإدارة السرد أن تطمس الوقائع، وتؤجّل مواجهة الأسئلة الصعبة، في خضم معطيات ووقائع حرب 15أبريل 2023.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.