عودة بلا طريق: لماذا تعثّر مشروع إعادة السودانيين إلى ديارهم بعد اقتراب نهاية العام الثالث من الحرب؟

تقرير استقصائي – عين الحقيقة

مع اقتراب نهاية العام الثالث على اندلاع الحرب في السودان، ما يزال ملف «العودة الطوعية» واحدًا من أكثر القضايا الإنسانية التباسًا وإخفاقًا، رغم حضوره المتكرر في الخطاب الرسمي والبيانات الحكومية. فبين الوعود المعلنة والواقع الميداني، تتكشف فجوة عميقة جعلت عودة ملايين النازحين واللاجئين أقرب إلى شعار سياسي منها إلى برنامج قابل للتنفيذ.

تقارير ميدانية، تكشف أن أسباب فشل العودة الطوعية لا ترتبط فقط باستمرار الحرب، بل بغياب رؤية وطنية شاملة تُعالج شروط العودة الآمنة..

تقرير (عين الحقيقة) الذي استند إلى إفادات نازحين، ومصادر إنسانية، وتحليل تقارير ميدانية، يكشف أن أسباب فشل العودة الطوعية لا ترتبط فقط باستمرار الحرب، بل بغياب رؤية وطنية شاملة تُعالج شروط العودة الآمنة، وتضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة. ففي غالبية مناطق النزوح الأصلية، ما تزال المنازل مدمرة أو منهوبة، والبنية التحتية منهارة، فيما تغيب مؤسسات الدولة الأمنية والخدمية بشكل شبه كامل.

يقول أحد النازحين من ولاية الخرطوم، فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن “الحديث عن العودة لا يتجاوز المؤتمرات والتصريحات، أما على الأرض فلا ماء ولا كهرباء ولا مدارس، ولا جهة تحمينا”. شهادته تتقاطع مع إفادات نازحين من دارفور والجزيرة وسنار، أكدوا أن محاولات العودة الفردية انتهت في بعض الحالات بالاعتداء أو النهب، ما أعادهم قسرًا إلى مراكز النزوح.

على المستوى المؤسسي، يكشف التقرير أن برنامج العودة الطوعية أُطلق دون إطار قانوني واضح أو ميزانية مستقلة، واعتمد على مبادرات متفرقة تفتقر للتنسيق بين السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية. ويشير خبير في العمل الإنساني تحدث لـعين الحقيقة إلى أن “العودة الطوعية عملية معقدة تتطلب أمنًا، إعادة إعمار، خدمات، وتعويضات، لكن ما طُرح في السودان اختزلها في نقل السكان فقط، وهو فشل منهجي”.

مصادر: التمويل المخصص لإعادة الإعمار شبه معدوم، فيما يوجَّه الجزء الأكبر من الدعم الإنساني نحو الإغاثة الطارئة فقط..

مصادر داخل منظمات دولية عاملة في السودان أبدت قلقها من محاولات “تسويق العودة” في ظل غياب شروطها، محذّرة من أن الضغط غير المباشر على النازحين قد يؤدي إلى عودة قسرية مقنّعة، تخالف المبادئ الدولية التي تشترط الطوعية، الأمان، والاستدامة. وتؤكد هذه المصادر أن التمويل المخصص لإعادة الإعمار شبه معدوم، فيما يوجَّه الجزء الأكبر من الدعم الإنساني نحو الإغاثة الطارئة فقط.

ولا يقف أثر فشل العودة الطوعية عند البعد الإنساني، بل يتعداه إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والأمني. فعودة السكان دون معالجة جذور النزاع، أو دون آليات عدالة ومصالحة، تنذر بإعادة إنتاج الصراع، خاصة في المناطق التي شهدت عمليات تهجير قسري أو صراعات أهلية. وتفيد تقارير محلية بوقوع احتكاكات في بعض مناطق العودة، ما دفع كثيرين إلى العدول عن الفكرة نهائيًا.

ويخلص هذا التقرير إلى أن تعثّر برنامج العودة الطوعية بعد عامين من الحرب يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الدولة، وتآكل الثقة بين المواطن والسلطة، واستمرار منطق إدارة الأزمة بدل حلّها. فالعودة، كما يجمع الخبراء، ليست قرارًا إداريًا ولا حملة إعلامية، بل نتيجة طبيعية لوقف الحرب، وبناء الأمن، وإعادة الخدمات، وضمان الحقوق. وحتى يتحقق ذلك، ستظل العودة حلمًا معلّقًا، فيما يبقى ملايين السودانيين عالقين بين وطن مدمَّر، ومستقبل غامض.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.