مــا هــي حــكومــة الســلام والوحــدة «تــأسيــس»؟ ولِماذا تختــلف عمّــا قبلهــا؟

أ/ سليم محمد عبد الله

في المنعطفات التاريخية الحاسمة، لا تُقاس خطورة اللحظة بما تشهده من صراعٍ ظاهر، بل بما تكشفه من تصدّعٍ عميق في فكرة الدولة نفسها. وحين تصل الأزمات إلى هذا المستوى من التراكم، يصبح تغيير الحكومات تفصيلًا ثانويًا، ويغدو السؤال الحقيقي أكثر جذريةً وأشد إلحاحًا: هل ما زالت الدولة، بصيغتها القائمة، صالحةً للحياة؟

السودان اليوم يقف عند هذا السؤال بالضبط؛ لا بوصفه تمرينًا فكريًا، بل باعتباره معضلةً واقعية فرضتها عقود من الإخفاق السياسي، والحروب المتناسلة، والانفصال المزمن بين الدولة ومجتمعها. ومن هذا الركام، يخرج مفهوم «حكومة السلام والوحدة «تأسيس» بوصفه محاولةً لإعادة الإمساك بالخيط المقطوع، لا لترميم ما تهدّم فحسب، بل لإعادة النظر في الأساس الذي قام عليه البناء كله.

حكومة السلام والوحدة «تأسيس»، في معناها العميق، ليست حكومةً عادية تُضاف إلى سجلٍّ طويل من الحكومات العابرة، وليست مجرد مرحلة انتقالية أخرى تُدار بمنطق الانتظار. إنها، من حيث الفكرة، سلطةٌ بوظيفةٍ تأسيسية؛ أي سلطة تنشغل بإعادة تعريف قواعد الحكم، لا بتدوير أدواته القديمة. فهي لا تبدأ من سؤال: «من يحكم؟»، بل من سؤالٍ أسبق وأكثر خطورة: كيف يجب أن يُحكم السودان؟ وعلى أي أسس تُبنى شرعية الدولة؟

هذا التحول في زاوية النظر هو جوهر الاختلاف، وهو ما يمنح مفهوم حكومة السلام والوحدة «تأسيس» ثقله السياسي والفكري. فالتجارب السودانية السابقة، على تنوّعها، اشتركت في سمةٍ واحدة: جميعها أدارت الدولة داخل الإطار البنيوي ذاته؛ إطارٍ مركزيٍّ مختلّ، يُراكم السلطة في القمة، ويُفرغ الأطراف من معناها السياسي، ثم يتعجّب من عودة الصراع بأشكالٍ أكثر عنفًا.

أمّا حكومة السلام والوحدة (تأسيس)، فتأتي باعترافٍ ضمنيّ بأن هذا الإطار نفسه هو جزء من المشكلة، إن لم يكن جوهرها، وأن إدارة الأزمات داخل بنيةٍ مأزومة لا يمكن أن تُنتج استقرارًا، بل تؤجّل الانفجار فحسب.

ومن هنا، لا يمكن فهم حكومة التأسيس بمعزلٍ عن السياق الذي أفرزها. فهي وليدة لحظةٍ تاريخية شهدت تآكل وظائف الدولة الأساسية: ضعف احتكار العنف المشروع، انهيار الثقة في المؤسسات، انكشاف هشاشة العقد الاجتماعي، وتحوّل السياسة من أداةٍ لإدارة الاختلاف إلى ساحة صراعٍ صفري. وفي مثل هذا السياق، يصبح التأسيس ضرورةً، لا ترفًا نظريًا.

الفرق الجوهري بين حكومة السلام والوحدة (تأسيس) وما سبقها لا يكمن في الشعارات، بل في موقع السلام داخل المعادلة السياسية. ففي التجارب الماضية، كان السلام يُعامَل كملفٍّ تفاوضي يُغلَق باتفاق، ثم يُترك ليذبل في الممارسة. أمّا في المنظور التأسيسي، فالسلام ليس نتيجةً لاحقة، بل شرطٌ سابق؛ ليس محطة نهاية، بل نقطة انطلاق.

فالدولة التي لا تُنهي أسباب الحرب، ولا تعالج التهميش، ولا تُعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، لا تستطيع ادّعاء الاستقرار، مهما امتلكت من أدوات القوة. ومن هنا، يصبح السلام في خطاب حكومة السلام والوحدة «تأسيس» مدخلًا لبناء الدولة، لا بندًا تفاوضيًا قابلًا للتأجيل.

ويتصل بهذا الطرح، اتصالًا عضويًا، الحديث عن الفدرالية، لا باعتبارها تقسيمًا إداريًا، بل بوصفها إعادة هندسةٍ للعلاقة بين المركز والأقاليم. فالفدرالية، في معناها السياسي العميق، هي اعترافٌ بأن السودان لا يمكن حكمه بعقلية المركز الواحد، ولا بإرادةٍ أحادية، ولا بقرارٍ معزولٍ عن واقع الأطراف.

غير أن الفدرالية، كما يُعلّمنا التاريخ، لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يُنقل فعليًا من صلاحيات، وما يُمنح من موارد، وما يُترك من مساحات قرار. وهنا تحديدًا يُختبَر صدق أي مشروعٍ تأسيسي: هل يملك الشجاعة للتخلّي عن مركزيةٍ اعتادها؟ هل يقبل بتعدّد مراكز القوة داخل دولةٍ واحدة؟ هل يؤمن بأن وحدة الدولة تُصان بالعدالة، لا بالهيمنة؟

وفي قلب هذا كله، تقف العدالة بوصفها الشرط الأخلاقي والسياسي لأي تأسيسٍ حقيقي. فلا دولة تُبنى على الإنكار، ولا سلام يُرسَّخ بتجاوز الذاكرة. العدالة ليست عبئًا على الاستقرار، بل ضمانته الوحيدة. والتجارب التي راهنت على النسيان القسري دفعت الثمن مضاعفًا، حين عادت الجراح أكثر عمقًا.

الطرح التأسيسي، في جوهره، يفترض أن المصالحة لا تعني الإفلات من المساءلة، وأن طيّ الصفحات لا يتم قبل قراءتها كاملة. فالدولة التي تطلب من مواطنيها الثقة مطالبةٌ أولًا بأن تواجه ماضيها بشجاعة، وأن تضع آلياتٍ واضحة للحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.

ومع كل هذا العمق النظري، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع حكومة السلام والوحدة (تأسيس) أن تعبر المسافة بين الفكرة والتنفيذ؟ فالتاريخ السياسي السوداني ليس فقيرًا في الأفكار الكبيرة، لكنه مثقلٌ بإخفاقات التطبيق، والهوة بين الخطاب والمؤسسة هي المكان الذي تعثّرت فيه معظم المشاريع.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في بلاغة اللغة، ولا في اتساع الرؤية، بل في القدرة على بناء مؤسساتٍ تحكمها القواعد لا الأشخاص، وتديرها الكفاءة لا الولاءات، وتُراقَب بالمساءلة لا بالشعارات. فالدولة لا تُبنى بالكلمات وحدها، مهما بلغت فصاحتها.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح سؤال التأسيس بهذا الوضوح، وفي هذا التوقيت، يُمثّل تحوّلًا نوعيًا في الوعي السياسي. فالأمم لا تتقدّم لأنها لا تُخطئ، بل لأنها تمتلك الجرأة للاعتراف بأن نماذجها القديمة لم تعد صالحة، وبأن التغيير الحقيقي يبدأ من الجذور.

في المحصّلة، ليست حكومة السلام والوحدة «تأسيس» وعدًا بالخلاص، ولا ضمانةً للنجاح، لكنها محاولةٌ جادّة لكسر الحلقة المفرغة التي دارت فيها الدولة السودانية طويلًا؛ محاولة للانتقال من إدارة الانهيار إلى إعادة البناء، ومن سؤال السلطة إلى سؤال الدولة.

والتاريخ، في النهاية، لا يُحاسب النوايا، بل النتائج. فإمّا أن تتحوّل حكومة السلام والوحدة «تأسيس» إلى لحظةٍ فاصلة تؤسّس لدولةٍ قابلة للحياة، أو أن تُضاف إلى قائمة المحاولات التي امتلكت التشخيص، لكنها أخفقت في العلاج. وبين هذين الاحتمالين، يقف السودان اليوم عند مفترقٍ لا يحتمل التكرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.