في توقيتٍ بالغ الحساسية، جاء استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في أنقرة، ليكشف عن مسارٍ سياسيٍّ موازٍ تسعى من خلاله حكومة الأمر الواقع في بورتسودان إلى كسر الطوق الذي فرضته «الرباعية» الدولية على الملف السوداني.
وطبقًا لمراقبين، تحمل زيارة البرهان في طياتها محاولةً واضحة لإعادة تموضعه إقليميًا، مستفيدًا من علاقات تركيا وقطر، في ظل انسداد الأفق مع الرؤية الأمريكية- السعودية للحل.
أردوغان، في تصريحاته، ركّز على البعد الإنساني للصراع، محذرًا من تكرار الجرائم ضد الإنسانية، ومؤكدًا التزام بلاده بالمساعدات. غير أن هذا الخطاب، وإن بدا إنسانيًا، يوفر غطاءً سياسيًا غير مباشر للبرهان، عبر التعامل معه بوصفه طرفًا ممثلًا للدولة، في وقتٍ تتصاعد فيه الانتقادات لشرعيته داخليًا وخارجيًا.
وبالمقابل، حذّر القيادي بتحالف «صمود» خالد سلك، في منشور على صفحته بـ«فيسبوك»، مما وصفها بـ«المغامرة» التي لا تقل خطورة، والمتمثلة في محاولة القفز على تناقضات الداخل عبر موضعة بورتسودان كوكيل إقليمي مستعد لتقديم خدمات لأي طرف خارجي، مقابل اكتساب شرعية البقاء في السلطة، ولو على جزءٍ محدودٍ من البلاد.
في هذا السياق، يرى رئيس تحرير صحيفة الجريدة، أشرف عبد العزيز دوشكا، أن انخراط أنقرة والدوحة يمنح بورتسودان «مساحة تنفس» سياسية، لكنه يقرّ، في الوقت ذاته، بأن هيمنة الرباعية، المدعومة بضوءٍ أخضر أمريكي وتحركٍ سعودي مباشر، تجعل من الصعب تجاوز الإطار الذي رسمته واشنطن. وبذلك، تبدو تحركات البرهان أقرب إلى سياسة شراء الوقت وإعادة تدوير الأزمة، لا إلى اختراقٍ حقيقي في مسار السلام.
وعلى الضفة الأخرى، تتابع الأمم المتحدة هذه التحركات بحذر؛ فقد أعلنت دعمها المبدئي لمبادرة السلام التي قدمها رئيس الوزراء الانتقالي كامل إدريس أمام مجلس الأمن، مؤكدة ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار وصياغة انتقالٍ بقيادة مدنية. غير أن هذا الترحيب الأممي لم يصل إلى حد تبني المبادرة، بل ظل في إطار دعم أي جهد يهدف إلى إنهاء النزاع، ما يعكس إدراك المنظمة الدولية لتعقيدات المشهد وتعدد مراكز الادعاء بالشرعية.
مبادرة إدريس، التي قُدمت بوصفها «نابعة من الداخل»، تضمنت بنودًا شاملة لوقف إطلاق النار، ونزع سلاح الميليشيات، وحماية المدنيين، وتهيئة المناخ للمصالحة الوطنية. إلا أن حكومة «تأسيس»، التي تتخذ من نيالا مقرًا لها، رأت في المبادرة امتدادًا لنهج بورتسودان، لا قطيعةً معه.
وهنا يبرز موقف حكومة «تأسيس» بوصفه الأكثر حدة ووضوحًا؛ إذ وصفت المبادرة بأنها تفتقر إلى الأسس السياسية والأخلاقية، واعتبرتها محاولةً مكشوفة لإطالة أمد الحرب، صيغت داخل دوائر الحركة الإسلامية وتبناها البرهان. وذهب رئيس وزرائها، محمد حسن التعايشي، أبعد من ذلك، معتبرًا أن منح المنابر الدولية «لفاقدي الشرعية» يشكل انتهاكًا لمواثيق الأمم المتحدة ومبادئ الاتحاد الأفريقي، الذي جمّد عضوية السودان عقب انقلاب أكتوبر.
وتؤكد حكومة «تأسيس» أن أي مسار سلام لا يبدأ بتفكيك الانقلاب وإنهاء هيمنة العسكر هو مسارٌ مضلل، وأن توفير غطاء دبلوماسي للبرهان، سواء عبر أنقرة أو غيرها، يعني عمليًا إعادة إنتاج الأزمة. ومن هذه الزاوية، ترى الحكومة أن تحركات البرهان الإقليمية ليست إلا التفافًا على الرباعية وضغوطها، ومحاولةً لفرض أمرٍ واقعٍ جديد قبل انقضاء «المهلة الدولية».
وبحسب مراقبين للمشهد، يناور البرهان بين المسارات، مستثمرًا التناقضات الإقليمية، بينما تصر حكومة «تأسيس» على نزع الشرعية عن هذه المناورات وفضحها دوليًا. وفي المقابل، يبقى السلام رهين توافقٍ سودانيٍّ حقيقي، لا صفقاتٍ إقليمية عابرة، إذ إن ترك جوهر الأزمة يعني إدامتها.
وتكشف تحركات عبد الفتاح البرهان الإقليمية عن محاولةٍ واضحة لإدارة الأزمة لا حلّها، عبر فتح مسارات موازية تُخفف الضغوط الدولية دون الاقتراب من جذور الصراع. فبين أنقرة والدوحة، يسعى الرجل إلى إعادة تدوير شرعية متآكلة، مستفيدًا من تباينات إقليمية وهواجس إنسانية تُستثمر سياسيًا، في وقتٍ لا يزال فيه المسار الدولي الذي تقوده الرباعية هو الإطار الأكثر تأثيرًا على مستقبل الأزمة السودانية.
إلا أن هذه المناورات، مهما وفّرت لبورتسودان هامش حركةٍ مؤقتًا، تبدو عاجزة عن إنتاج تسوية مستدامة، طالما ظلت معزولة عن مطلب التحول المدني وإنهاء الانقلاب. فالتجربة السودانية، كما تشير الوقائع، أثبتت أن شرعية الأمر الواقع لا تُبنى بالاعترافات الجزئية ولا بالوساطات الانتقائية، بل بتوافقٍ وطنيٍّ واسع يعالج اختلالات الدولة ويعيد السلطة إلى المدنيين.
وعليه، فإن أي التفافٍ على الرباعية أو قفزٍ فوق استحقاقات الداخل لن يكون سوى تأجيلٍ للأزمة بصيغٍ جديدة، بينما يظل السلام الحقيقي رهين إرادةٍ سودانية خالصة، تضع حدًا لعسكرة السياسة، وتقطع الطريق أمام إعادة إنتاج الحرب تحت مسمياتٍ مختلفة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.