أزمة صحية بلا أفق: الأوبئة تحاصر السودانيين وسط حرب وتفكك مؤسسي

تقرير: عين الحقيقة

يعيش السودان واحدة من أكبر أزماته الصحية في تاريخه الحديث، في ظل صراعٍ مستمر منذ منتصف أبريل 2023، أفرز واقعًا إنسانيًا وصحيًا بالغ الخطورة، لا سيما في مناطق سيطرة حكومات الأمر الواقع، سواء في بورتسودان الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، أو في مناطق نفوذ حكومة تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» بوسط وغرب البلاد.

ويعكس التفشي الواسع للأمراض، والنقص الحاد في الخدمات الصحية، والتزايد المستمر في أعداد الوفيات، إلى جانب تفاقم حالات سوء التغذية، مؤشراتٍ خطيرة تدل على أن النظام الصحي يقف على حافة الانهيار الكامل.

ففي ولاية الجزيرة وسط السودان، الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، أعلنت إدارة تعزيز الصحة، أمس الأحد، انطلاق حملة قومية للتوعية بالتهاب الكبد الوبائي الفيروسي من النوع (هـ)، تحت شعار «وقاية ونظافة تساوي سلامة كبدنا». وتهدف الحملة إلى رفع الوعي المجتمعي بطرق انتقال المرض وأعراضه ووسائل الوقاية منه، إضافة إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة، في محاولة للحد من انتشاره في بيئة تعاني تدهورًا حادًا في خدمات المياه والصرف الصحي.

وفي سياقٍ موازٍ، وعلى الجانب الآخر من الجغرافيا الممزقة، نفذت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) الجولة الثانية من حملة التطعيم ضد شلل الأطفال في ولايتي وسط وغرب دارفور، الخاضعتين لسيطرة حكومة تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، مستهدفة أكثر من 500 ألف طفل دون سن الخامسة باللقاح الفموي. وتأتي هذه الحملة في مناطق تعاني هشاشة أمنية وصحية شديدة، ما يجعل الوصول إلى الأطفال تحديًا يوميًا، ويضاعف من مخاطر عودة أمراض كان من المفترض القضاء عليها.

غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تبدو محدودة أمام حجم الكارثة. فبحسب تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية، يواجه السودان تفشيًا متزامنًا لعدة أمراض، تشمل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، إلى جانب واحدة من أسوأ أزمات سوء التغذية في العالم، التي تهدد بشكل خاص الأطفال والنساء.

وتشير المنظمة إلى تسجيل أكثر من 123 ألف حالة إصابة بالكوليرا في 18 ولاية، أودت بحياة أكثر من 3,500 شخص، فيما تجاوزت حالات حمى الضنك 53 ألف إصابة، مع تسجيل 145 حالة وفاة، في حين انتشرت الملاريا بأكثر من 1.4 مليون حالة في 16 ولاية.

ووصف ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، الدكتور شبل صهباني، في تصريحات خلال الأيام الماضية، الوضع الصحي بأنه «أزمة مكتملة الأركان»، مؤكدًا أن الهجمات المتكررة على مرافق الرعاية الصحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وشح الكوادر الصحية والتمويل، كلها عوامل وضعت النظام الصحي تحت ضغط غير مسبوق. وكشف صهباني أن السودان يسجل أعلى نسبة عالميًا من الوفيات المرتبطة باستهداف القطاع الصحي، في انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي.

ورغم هذه التحديات الجسيمة، تواصل المنظمات الدولية لعب دور حيوي في توفير الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية. فقد قدمت منظمة الصحة العالمية، منذ اندلاع الحرب، نحو 3,000 طن متري من الإمدادات الطبية، بقيمة بلغت 33.3 مليون دولار، إضافة إلى تنفيذ عمليات إمداد عابرة للحدود عبر تشاد وجنوب السودان، وميناء بورتسودان.

وفي المقابل، ظلت منظمة الصحة العالمية، شأنها شأن بقية وكالات الأمم المتحدة، تطلق نداءات متكررة للمجتمع الدولي بعدم تجاهل السودان، في ظل استمرار الحرب، وغياب التمويل الكافي، وانعدام الوصول الإنساني الآمن، وهي عوامل تقوض أي فرصة للتعافي الصحي، وتترك ملايين المدنيين في مواجهة مصير مجهول، حيث يصبح المرض أكثر فتكًا من الرصاص.

ويؤكد مراقبون أن إنقاذ ما تبقى من صحة السودان يتطلب ما هو أكثر من الجهود الجزئية، إذ يحتاج إلى سلام شامل، وحماية حقيقية للقطاع الصحي، واستجابة دولية تتناسب مع حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة.

في ظل هذا الواقع القاتم، تبدو الأزمة الصحية في السودان مرآة مباشرة لانهيار شامل فرضته الحرب وتعدد سلطات الأمر الواقع، حيث تتقاطع الأوبئة مع الفقر وسوء التغذية وانعدام الخدمات الأساسية. ومع محدودية الاستجابات الحالية، يظل مستقبل ملايين السودانيين الصحي رهينًا بوقف الحرب، وضمان حماية المرافق الصحية، وتدخل دولي جاد يتجاوز الإغاثة الطارئة نحو معالجة جذور الانهيار وإنقاذ ما تبقى من حياة ونظام صحي مهدد بالزوال.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.