الجنيه السوداني تحت نيران الحرب: كيف قادت المعارك إلى الانهيار أمام الدولار؟

تقرير– عين الحقيقة

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، لم يكن الجنيه السوداني بمنأى عن ألسنة اللهب، بل كان أحد أبرز ضحايا الصراع، إذ فقد الجزء الأكبر من قيمته أمام الدولار الأميركي، في انهيار غير مسبوق كشف هشاشة البنية الاقتصادية للدولة في زمن الحرب. فبين توقف الإنتاج، وانهيار مؤسسات الدولة المالية، وتوسع اقتصاد الحرب، تحوّل سعر الصرف إلى مرآة يومية للفوضى السياسية والأمنية التي تعصف بالبلاد.

الحرب عطّلت بشكل شبه كامل مصادر النقد الأجنبي، وعلى رأسها الصادرات الزراعية والحيوانية، وعائدات الذهب التي خرج معظمها عن سيطرة الدولة لصالح شبكات تهريب واقتصاد ظلّ تغذيه أطراف الصراع..

بحسب متابعات «عين الحقيقة»، فإن الحرب عطّلت بشكل شبه كامل مصادر النقد الأجنبي، وعلى رأسها الصادرات الزراعية والحيوانية، وعائدات الذهب التي خرج معظمها عن سيطرة الدولة لصالح شبكات تهريب واقتصاد ظلّ تغذيه أطراف الصراع. وفي المقابل، تزايد الطلب على الدولار مع اعتماد البلاد المتصاعد على الاستيراد لتغطية السلع الأساسية، في ظل شلل القطاع المصرفي وتوقف التحويلات الرسمية، ما دفع السوق الموازي ليصبح المحدد الفعلي لقيمة العملة.
ويرى خبراء اقتصاديون تحدّثوا لـ«عين الحقيقة» أن غياب بنك مركزي فاعل وانقسام القرار المالي بين سلطات متنازعة أفقد الجنيه أي غطاء نقدي أو ثقة داخلية، مشيرين إلى أن طباعة النقود دون غطاء، لتمويل الإنفاق العسكري وتسيير شؤون حكومات الأمر الواقع، ساهمت في تسارع التضخم وانهيار القوة الشرائية للمواطنين. ويؤكد الخبير الاقتصادي (اسم مستعار) أن «الحرب لم تدمّر الاقتصاد فحسب، بل ألغت فكرة السياسة النقدية نفسها».

يجمع اقتصاديون على أن استمرار الحرب يعني مزيدًا من التدهور للعملة، مؤكدين أن أي حديث عن استقرار الجنيه يظل وهمًا في غياب وقف شامل للقتال..

في المقابل، انعكس انهيار الجنيه مباشرة على حياة السودانيين، مع الارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء والدواء والوقود، وتآكل الدخول المحدودة، واتساع رقعة الفقر، لا سيما في المدن المتأثرة بالحرب. وتفيد تقديرات غير رسمية بأن سعر الدولار قفز عدة أضعاف منذ اندلاع القتال، في وقت فقدت فيه الدولة أدوات التدخل، وبات المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الانهيار.
ويجمع اقتصاديون على أن استمرار الحرب يعني مزيدًا من التدهور للعملة، مؤكدين أن أي حديث عن استقرار الجنيه يظل وهمًا في غياب وقف شامل للقتال، واستعادة مؤسسات الدولة، وضبط الموارد السيادية، وعلى رأسها الذهب والجمارك والصادرات. فالجنيه السوداني، كما يخلص التحقيق، لا ينهار فقط بفعل الأرقام، بل بسبب غياب الدولة نفسها، حيث لا يمكن لعملة أن تصمد في بلدٍ تحكمه البنادق بدل السياسات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.