كيف يهدد أسياس أفورقي استقرار السودان والقرن الأفريقي؟

تقرير: عين الحقيقة

أثارت تصريحات رئيس حركة تحرير شرق السودان، إبراهيم عبد الله دنيا، ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، وذلك خلال خطابه أمام حشود جماهيرية في منطقة همشكوريب شرقي السودان. وقد أكد في خطابه أن حركته «لن تكون وقودًا لحرب لم تسهم في إشعالها»، مشددًا على دعمها لجهود إحلال السلام.

ويرتبط حراك شرق السودان ارتباطًا وثيقًا بدولة إريتريا ورئيسها أسياس أفورقي، الذي أعلن دعمه الصريح للجيش السوداني، وفتح معسكرات لتدريب مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانبه، وفق تقارير متعددة.

وتُدار إريتريا منذ استقلالها بقبضة أمنية صارمة، حوّلها أسياس أفورقي إلى نموذج صارخ للدكتاتورية المعزولة داخليًا وخارجيًا. ويصف مراقبون أفورقي بأنه من أسوأ الرؤساء في أفريقيا، إذ حوّل بلاده إلى ما يشبه «سجنًا كبيرًا»، ويتّبع في سياسته الخارجية مرونة تكتيكية قائمة على حسابات أمنية ضيقة وهشّة، لا على شراكات استراتيجية ثابتة.

ويعكس الواقع الداخلي في إريتريا حالة تراجع حاد، حيث تفتقر البلاد إلى أبسط مقومات الحياة العصرية من كهرباء واتصالات وإنترنت، في ظل نظام استبدادي قمعي. ويواجه المواطن الإريتري قيودًا صارمة على حرية الحركة، إذ يُمنع حتى من تجاوزوا سن الخامسة والسبعين من مغادرة البلاد. كما لا يُسمح للمسلمين بأداء فريضة الحج، في انتهاك صارخ للحقوق الدينية والإنسانية.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن ملايين الإريتريين اضطروا إلى الهروب واللجوء إلى الخارج، في واحدة من أكبر أزمات النزوح القسري على مستوى العالم.

ويُعرف أسياس أفورقي بعدم ثقته بأحد، سواء جيرانه أو حلفاؤه البعيدون، إذ تحكم قراراته رؤية أمنية ضيقة وقراءة متشككة للمشهد الإقليمي، تتغير مع أدنى تحوّل في موازين القوى. ويُفسّر هذا النهج اللغة التي استخدمها رئيس حركة تحرير شرق السودان، حين تحدث عن التدريب لحماية الإقليم والموارد، وحكم الذات، وامتلاك آلاف المقاتلين «دون خوف من أحد».

كما يُلاحظ أن أفورقي أعاد فتح الحدود مع السودان بعد سنوات من الإغلاق، وهي خطوة جاءت بعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، وتحديدًا عقب خروج قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من القيادة العامة التي كانت محاصَرة. وتشير تقارير إلى أن موقف أسمرا قبل ذلك كان متحفظًا، بل ومعاديًا لأي تغيير، غير أن التحولات الميدانية في السودان وعدم وضوح مآلات الصراع دفعا أفورقي إلى تعديل حساباته وفتح قنوات اتصال مع «الواقع الجديد»، تحسبًا للتطورات واستغلالًا للفرص في بلد غارق في الفوضى.

ويرى أفورقي العالم من منظور التهديد الأمني، إذ يتعامل مع استقرار السودان بوصفه تهديدًا محتملًا، في حين تمنحه فوضى الحرب هامشًا واسعًا للمناورة والتدخل، لا سيما في إقليم شرق السودان. ولا يمتلك أفورقي تحالفات استراتيجية حقيقية، إذ تقوم علاقاته على تحالفات مؤقتة تحكمها القراءة اللحظية لموازين القوة والضعف، وسرعان ما يتخلى عنها عند تغيّر المعادلات، دون أي التزام باتفاقات أو تعهدات سابقة.

وفي الوقت الذي يتحالف فيه مع تيارات إسلامية في السودان، تشير تقارير موثوقة لمنظمات حقوقية دولية ونشطاء إلى حملة ممنهجة يشرف عليها النظام الإريتري ضد المكوّن الإسلامي داخل إريتريا، الذي يشكّل نسبة معتبرة من السكان. وتشمل هذه الحملة اعتقال أئمة مساجد، وتهديم مساجد في مناطق نائية بعيدًا عن أعين العاصمة أسمرا والمراقبة الدولية المحدودة أصلًا، في إطار سياسة طويلة الأمد لتجفيف أي تجمع أو هوية قد تشكّل نواة للمعارضة أو تهديدًا للصورة الأحادية التي يفرضها النظام.

وبذلك تبدو إريتريا دولة محاصَرة بسياسات أسياس أفورقي؛ فمن الداخل دمّر النسيج الاجتماعي والثقافي، ودفع أبناء بلاده إلى الهجرة القسرية، بينما يعيش من تبقّى في ظل القمع والاستبداد. أما خارجيًا، فلا يمكن اعتبار أفورقي شريكًا موثوقًا أو جارًا يسهم في استقرار الإقليم، إذ يتحرك وفق هواجسه الأمنية واستغلاله للأزمة السودانية، بما في ذلك تدريب آلاف المقاتلين وصناعة القرار لدى قادتهم.

إن النهج الذي يتبعه أسياس أفورقي لا يهدد أمن ومستقبل إريتريا فحسب، بل يشكّل خطرًا حقيقيًا على استقرار السودان وكامل منطقة القرن الأفريقي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.