حين تُسيَّس الحرب: قراءة في إرث الإسلاميين في السودان منذ 1989

تقرير: عين الحقيقة

لم يكن انقلاب يونيو 1989 مجرد تغيير في السلطة، بل مثّل نقطة تحوّل عميقة في طبيعة الدولة السودانية وخياراتها الكبرى. فقد حمل الإسلاميون إلى الحكم مشروعًا أيديولوجيًا سعى إلى إعادة تعريف السياسة والمجتمع، وكان من أبرز تجلياته إعادة تأطير الحرب الأهلية في الجنوب بلغة دينية حادّة، صوّرتها كصراع بين “شمال مسلم” و”جنوب مختلف”. هذا الطرح، الذي انتقده كثير من الباحثين والمفكرين، يُعدّ لدى منتقديه من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث، لما خلّفه من آثار على وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي.

تطرح هذه التجربة سؤالًا أعمق حول طبيعة الحركات الأيديولوجية: هل تنتظر الوصول إلى الحكم لتطبيق مشاريعها، أم تسعى إلى فرضها تدريجيًا عبر التحالفات والتأثير السياسي؟

الحرب بين التأطير الديني وتعقيدات الواقع
يرى محللون أن توصيف الحرب الأهلية بخطاب ديني مبسّط تجاهل جذورها السياسية والاقتصادية والثقافية العميقة، المرتبطة بالتهميش وعدم التوازن في السلطة والثروة. هذا الاختزال، بحسب منتقديه، أسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية، كما عمّق الاستقطاب بين مكونات المجتمع السوداني، وأضعف فرص بناء مشروع وطني جامع. في المقابل، يلفت بعض الباحثين إلى أن توظيف الدين في السياسة لم يكن حكرًا على مرحلة بعينها، بل جاء ضمن سياق أوسع من التنافس الأيديولوجي في المنطقة، حيث لجأت قوى متعددة إلى الخطاب الديني لتعزيز شرعيتها وحشد أنصارها.
مشروع لا ينتظر السلطة؟
تطرح هذه التجربة سؤالًا أعمق حول طبيعة الحركات الأيديولوجية: هل تنتظر الوصول إلى الحكم لتطبيق مشاريعها، أم تسعى إلى فرضها تدريجيًا عبر التحالفات والتأثير السياسي؟ تشير قراءات تاريخية إلى أن التيار الإسلامي في السودان كان فاعلًا في الساحة السياسية حتى قبل 1989، عبر تحالفات مع قوى تقليدية ودينية، خاصة في ستينيات القرن الماضي، في إطار سعيه لتعزيز حضوره والتأثير في مسار الدولة.
هذا الحضور المبكر يعكس، وفق مراقبين، نمطًا من العمل السياسي يقوم على استثمار اللحظات الانتقالية والتحالفات المرحلية، وهو ما مكّن الحركة من ترسيخ نفوذها لاحقًا حين سنحت لها فرصة الوصول إلى السلطة.
التحالفات السياسية وأثرها على الدولة
لم تكن التحالفات مع القوى التقليدية والطائفية مجرد ترتيبات عابرة، بل شكّلت جزءًا من معادلة الحكم في السودان، حيث تداخلت المصالح بين الفاعلين السياسيين على حساب بناء مؤسسات مستقلة. ويذهب بعض المحللين إلى أن هذه التحالفات ساهمت في إضعاف التجربة الديمقراطية، وأبقت الدولة رهينة للتوازنات الحزبية والأيديولوجية.
إرث مستمر وأسئلة مفتوحة
اليوم، وبعد عقود من تلك التحولات، لا يزال إرث تلك المرحلة حاضرًا في النقاش العام حول مستقبل السودان. فالقضايا التي أثيرت آنذاك علاقة الدين بالدولة، طبيعة الهوية الوطنية، وحدود استخدام القوة في فرض المشاريع السياسية ما زالت تمثل تحديات مركزية أمام أي مسار لبناء دولة مستقرة.
تكشف تجربة الإسلاميين في السودان منذ 1989 عن تعقيدات العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة، وعن مخاطر توظيف الدين في صراعات سياسية متعددة الأبعاد. وبينما تختلف التقييمات حول هذه المرحلة، يبقى الدرس الأبرز أن استقرار الدول لا يتحقق عبر فرض رؤى أحادية، بل من خلال إدارة التنوع وبناء توافقات واسعة تستند إلى العدالة والمواطنة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.