كيف أسقط الكيزان الدولة السودانية بالتمكين والفساد والحرب؟

 آدم موسى عبد الله

 

ليست الأزمة السودانية مجرد حرب عابرة أو صراعاً على السلطة، بل هي نتاج تراكم طويل من سياسات الإقصاء والتمكين التي زرعها الكيزان في جسد الدولة، حتى أصبح الوطن نفسه رهينةً لمشروعهم. فمنذ استيلائهم على السلطة، لم ينظروا إلى السودان كدولة تستحق البناء، بل كغنيمة ينبغي اقتسامها، ومزرعة خاصة تُدار بمنطق الولاء لا الكفاءة، وبعقلية السيطرة لا المسؤولية.

 

لم يحكم الكيزان البلاد فحسب، بل أعادوا تشكيل مؤسساتها على صورتهم: جيشٌ مُسيَّس، واقتصادٌ مُحتكَر، وتعليمٌ مُشوَّه، وإعلامٌ مُوجَّه؛ حتى غدت الدولة أشبه بجسدٍ فقد روحه. فكل من لا ينتمي إلى مشروعهم أُقصي، وكل من يعارضهم اتُّهم، وكل من يرفض الانحناء دُفع خارج المشهد.

 

وحين اشتد الخناق، لم يترددوا في إشعال الفتن، وتغذية الانقسامات، واستخدام الدين غطاءً للسلطة، حتى أصبح الوطن ساحةً مفتوحة للصراع. يتحدثون باسم القيم، بينما يمارسون أبشع صور الفساد، ويحاضرون في الوطنية، بينما يفرّطون في مؤسسات الدولة لمصالحهم الضيقة.

 

ما نراه اليوم من انهيار اقتصادي وتمزق اجتماعي، وحربٍ أكلت الأخضر واليابس، ليس منفصلاً عن ذلك الإرث الثقيل. فالحديث عن الكيزان ليس اجتراراً للماضي، بل ضرورة لفهم الحاضر؛ لأن أي محاولة لبناء سودان جديد دون تفكيك هذا الإرث ستظل مجرد ترميم فوق جدارٍ متصدّع. فلا يمكن الحديث عن العدالة دون محاسبة، ولا عن السلام دون كشف جذور الأزمة، ولا عن المستقبل دون مواجهة الحقيقة كاملة.

 

إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى تحرير الدولة من عقلية التمكين، واستعادة معنى الوطن من أيدي من حوّلوه إلى مشروع خاص. فالكيزان لم يكونوا مجرد سلطة، بل كانوا فكرة، والفكرة لا تسقط إلا حين يرفضها الناس بوعيٍ لا بخوف، وبمشروع وطنٍ لا بمشروع انتقام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.