اعتذار علني وانسحاب يهز صفوف الإخوان في السودان

حسن خليل

شهدت الساحة السياسية في السودان تطوراً لافتاً داخل صفوف تنظيم الحركة الإسلامية المنبثقة عن الإخوان المسلمين، وتحديداً بين فلول حزب المؤتمر الوطني، عقب إعلان القيادي البارز عبد الجبار حسين عثمان انسحابه الكامل والنهائي من التنظيم والحزب، في خطوة وُصفت بأنّها من أبرز حالات الانشقاق في المرحلة الراهنة.

وفي بيان علني وصف بأنّه غير مسبوق من حيث حدّة مضمونه قدّم عثمان اعتذاراً مباشراً إلى الشعب السوداني، معترفاً بمسؤوليته ضمن الحقبة التي شارك خلالها في العمل التنظيمي والسياسي إبّان هيمنة الإخوان، التي أقرّ بأنّها أسهمت ـ بحسب تعبيره ـ في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق حالة الانقسام والتفكك التي تعيشها البلاد.

وأوضح في بيانه أنّ التجربة داخل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني اتسمت بتغليب المصالح التنظيمية على حساب المصلحة الوطنية العامة، مشيراً إلى أنّ الصراعات الفكرية والإيديولوجية داخل التنظيمات الإسلاموية كانت أحد العوامل التي غذّت الأوضاع التي قادت إلى الحرب الدائرة حالياً.

وتضمنت مراجعاته الذاتية اعترافاً صريحاً بأنّ منطق الولاء التنظيمي كان يتقدم على مفهوم الدولة ومؤسساتها، معتبراً أنّ البنية السياسية التي حكمت تلك المرحلة اعتمدت على شبكات من المحاصصات والولاءات الضيقة، الأمر الذي أسهم ـ بحسب رأيه ـ في إضعاف النسيج الوطني وتفكيك البنية السياسية والاجتماعية.

مبادرة جديدة تثير فزع الإخوان

في تطور لافت، لم يقتصر إعلان عثمان على الانسحاب الفردي من التنظيم، بل أعلن عن إطلاق مبادرة سياسية جديدة تحت مُسمّى “حركة تجميد الأحزاب” تضم شخصيات من خلفيات سياسية متعددة، وتهدف للدعوة إلى تعليق النشاط الحزبي خلال المرحلة الانتقالية، مع تركيز خاص على تجميد نشاط التنظيمات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، إلى حين استعادة الاستقرار الوطني.

وكخطوة عملية تم تشكيل اللجنة التمهيدية لتجميد الأحزاب، التي رأسها عثمان الذي كرر إعلانه أنّه يتبرّأ من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، مقدماً اعتذاراً علنياً للشعب السوداني عمّا وصفه بالنهج الذي قاد البلاد إلى الخراب والحـرب، وطالب  بالعمل على إصدار قرار إلزامي بتجميد نشاط الأحزاب خلال الفترة الانتقالية، داعياً لفتح صفحة وطنية جديدة بعيداً عن الاستقطاب. ففي بيان رسمي حمل توقيع اللجنة التمهيدية لحركة “تجميد” في 2 أيّار (مايو) الجاري، أكد عثمان أنّه ورفاقه في الحركة ـ من مختلف الخلفيات السياسية ـ يعلنون “براءتهم من النهج الحزبي الذي قدّم المصالح التنظيمية على مصلحة الوطن”، مؤكدين أنّ الصراعات الإيديولوجية والتنافس الحزبي الضيق كانا من أسباب الحرب الحالية، وتفكك الدولة، وتمزق النسيج الاجتماعي.

وطالب عبد الجبار عثمان عبر حركته بإجراء استفتاء شعبي لتجميد نشاط الأحزاب السياسية السودانية خلال فترة انتقالية كافية لإعادة بناء المشهد الوطني على أسس جديدة بعيدة عن المحاصصات والولاءات التنظيمية، على حد تعبيره.

وأكّد عثمان في بيانه أنّ “هذا الاعتذار ليس كلمات، بل مراجعة جذرية وتجرد من التجربة الحزبية القديمة التي لم تعد تصلح لبناء الدولة”، مشيراً إلى أنّ حركة “تجميد” لا تمثل تياراً سياسياً بعينه، “بل تمثل الوجع السوداني والرغبة في البقاء”.

وأكد عثمان أنّ هذه الخطوة تأتي في إطار ما وصفه بمحاولة “إنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية”، مشدداً على أنّ استمرار العمل الحزبي بالشكل التقليدي يمثل، بحسب رؤيته، أحد أسباب تعميق الأزمة وتآكل مؤسسات الدولة، واصفاً الوضع القائم بأنّه نتاج مباشر لتراكمات سياسية وتنظيمية سابقة.

هذا الانشقاق العلني والاعتذار الصريح يشكلان ضربة سياسية ومعنوية داخل معسكر الإسلاميين، خاصة في ظل محاولات بعض قيادات المؤتمر الوطني إعادة التموضع في المشهد السياسي عبر تطورات الحرب الجارية. واعتبر هؤلاء أنّ إقرار قيادي سابق بمسؤولية التنظيم عن حالة الحرب والتفكك الداخلي يضعف روايات إعادة التأهيل السياسي، ويزيد من حدة الجدل حول إرث تلك المرحلة.

بعض الأصوات المحسوبة على التيار الإسلامي وصفت المبادرة بأنّها “موقف فردي لا يمثل الحركة”، واعتبرتها محاولة لتصفية حسابات سياسية مع التجربة السابقة، في محاولة لإخفاء الجريمة الكاملة لتيار الإسلام السياسي الإخواني في السودان الذي أهدر مقدرات البلاد، وجرّ السودان إلى حرب أهلية مدمرة.

ِ

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.