يتكلم الغباء… ويصمت الضمير

حسن عبد الرضي

في لحظةٍ كان يُفترض فيها أن يتحلّى رأس الدولة بأدنى درجات الحكمة والكياسة، خرج عبد الفتاح البرهان بتصريحٍ لا يليق لا بمقام المسؤولية، ولا بدماء الأبرياء التي تُسفك كل يوم.
لم يكن تصريحًا عابرًا، بل كان اتهامًا خطيرًا ومباشرًا لقطاعٍ كامل من الكوادر الطبية، حين زعم أن الأطباء يعملون كأذرعٍ استخباراتية للجيش، يمدّونه بالإحداثيات لتوجيه الطيران.
نعم، إن أطباء الكيزان، وكل المهنيين المنتمين إليهم، هذا دأبهم؛ فهم – في نظر كثيرين – أحد أسباب هذه الشرور المتراكمة.
وليس من المستغرب أن يُتَّهَم الكوز بكل ما هو ضد الفطرة السوية.
ألم يقل عنهم الأستاذ محمود إنهم يفوقون سوء الظن العريض؟ بلى، قد قال.
ويأتي حديث البرهان ليعزّز مصداقية شعار ثورة ديسمبر العظيمة: «أي كوز ندوسو دوس».
إن سماع التصفيق والإعجاب من فئة أطباء الكيزان التي حضرت اللقاء المشؤوم لأمرٌ يثير الدهشة، مع أننا لم نعد نأبه للدهشة.
فأيُّ سقوطٍ هذا؟ وأيُّ انحدارٍ في الخطاب السياسي والأخلاقي؟
إن هذا الحديث، في أبسط توصيفاته، ليس فقط غير حصيف، بل يُشكّل إقرارًا ضمنيًا بوقوع جريمة مكتملة الأركان.
فإذا كان الطيران يستهدف مواقع مدنية بناءً على «إحداثيات»، فمن الذي يُصدر القرار؟ ومن الذي يتحمّل مسؤولية تحويل هذه الإحداثيات إلى قنابل تُلقى على رؤوس المدنيين؟
إن محاولة تحميل الأطباء—وهم في الأصل ضحايا هذه الحرب—وزر هذه الجرائم، ليست إلا هروبًا مكشوفًا من المسؤولية، وتضليلًا فجًّا للرأي العام.
الأطباء الذين ظلّوا، رغم الجوع والخطر وانهيار المؤسسات، يقفون في الخطوط الأمامية لإنقاذ الأرواح، يجدون أنفسهم فجأة متهمين بالخيانة، ومُعرّضين للاستهداف من كل الأطراف.
بهذا التصريح، لم يكتفِ البرهان بإهانة مهنة إنسانية نبيلة، بل وضع حياة آلاف الأطباء في مهبّ الريح، وفتح الباب أمام الانتقام منهم، وكأنهم طرف في حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لكن الأكثر إيلامًا، وربما الأكثر إثارةً للريبة، هو ذلك الصمت الثقيل الذي خيّم على ما يُسمّى بلجنة الأطباء وشبكات الأطباء.
أين بيانات النفي؟ أين المواقف الواضحة؟ أين الدفاع عن شرف المهنة؟
لقد بدا المشهد وكأن الدهشة ألجمت الألسنة، أو أن الصمت أصبح خيارًا مريحًا في مواجهة اتهامٍ بهذه الخطورة.
هل هو خوف؟ أم تواطؤ؟ أم عجزٌ عن مواجهة الحقيقة؟
لقد كنّا—ولسذاجتنا ربما—نظن أن كامل إدريس هو وحده «العَوَقة» في هذه المنظومة المختلّة، وأن الخلل يتجسّد فيه كاستثناء يمكن تفسيره أو تجاهله.
كنّا نتحاشى الخوض في من أتى به، وكأننا نتهرّب من مواجهة الجذر الحقيقي للمشكلة.
أما الآن، وبعد هذا السقوط المدوي في الخطاب، فإن السؤال لم يعد: من هو «العوقة»؟ بل: ماذا نسمّي من أتى بـ«العوقة» نفسه؟
إننا أمام منظومة لا تكتفي بإدارة حرب عبثية، بل تسعى إلى تزييف وعي الناس، وقلب الحقائق، وتحويل الضحية إلى متهم.
منظومة تُطلق التصريحات بلا حساب، وتترك المجتمع يواجه تبعاتها الدامية.
في زمنٍ كهذا، يصبح الصمت جريمة، والتواطؤ خيانة، والكلمة الصادقة موقفًا لا يحتمل التأجيل.
فمن يملك الجرأة ليقول: كفى؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.