لم تعد الانقلابات في السودان تُقاس فقط بصوت الدبابات ولا ببيانات الفجر الأولى. التجربة القاسية التي عاشها السودانيون منذ 1989 علّمت الجميع أن الوصول إلى السلطة يمكن أن يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، وأكثر خطورة. اليوم، يبدو أن بعض القوى المرتبطة بالإسلام السياسي تحاول إعادة التموضع في المشهد، ليس عبر انقلاب مباشر، بل من خلال إدارة الفوضى نفسها، وتحويل الحرب إلى أداة سياسية لإعادة رسم موازين القوة.
الفارق الجوهري بين ما حدث في 1989 وما يُخشى تكراره اليوم، هو أن الطريق لم يعد يمر عبر استيلاء صريح على الحكم، بل عبر خلق واقع يجعل هذا الاستيلاء “نتيجة طبيعية” للفوضى. إشعال فتيل الحرب، أو على الأقل الاستثمار في استمرارها، يفتح المجال لتآكل مؤسسات الدولة، ويُضعف أي سلطة قائمة، بما في ذلك المجلس السيادي، ويخلق فراغًا تبحث فيه القوى المنظمة عن فرصة للعودة.
في هذا السياق، لا تعمل هذه التيارات تحت لافتة واحدة واضحة، بل تميل إلى التحرك عبر مظلة أوسع تضم أطيافًا متعددة من الحركات والتنظيمات ذات الخلفية الإسلاموية. هذا التكتيك يمنحها ميزتين: أولًا، توسيع قاعدة التأثير والانتشار، وثانيًا، إخفاء الطابع التنظيمي الضيق خلف خطاب عام يبدو أكثر شمولًا. إنها محاولة لإعادة تقديم المشروع القديم بوجه جديد، مستفيدًا من زخم التعدد الظاهري.
لكن هذه الاستراتيجية ليست بلا كلفة. فالحرب، التي يُراد لها أن تكون وسيلة، تتحول سريعًا إلى غاية مدمّرة، تبتلع الجميع دون استثناء. استمرارها لا يعيد بناء شرعية، بل ينسف ما تبقى من الدولة، ويعمّق الانقسامات، ويجعل أي مشروع سياسي — مهما كان — عاجزًا عن الصمود في بيئة منهارة.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل يمكن لأي قوة سياسية أن تعود إلى السلطة عبر بوابة الحرب دون أن تدفع البلاد ثمنًا باهظًا؟ التجارب القريبة والبعيدة تقول إن الإجابة هي لا. فالقوة التي تصل عبر الفوضى، تبقى أسيرة لها، ولا تستطيع بناء استقرار حقيقي أو كسب ثقة شعبية مستدامة.
المجلس السيادي، باعتباره أحد تعبيرات السلطة الحالية، يواجه تحديًا مركبًا: ليس فقط في إدارة الصراع العسكري، بل في حماية ما تبقى من المجال السياسي من الانهيار الكامل. أما القوى المدنية، فهي مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتوحيد صفوفها، وتقديم بديل واضح، حتى لا تترك الساحة فارغة أمام مشاريع تُدار من خلف ستار الحرب.
في النهاية، قد لا يكون “الانقلاب الجديد” مشهدًا دراميًا كما في الماضي، لكنه أخطر بكثير. لأنه يحدث ببطء، عبر إنهاك الدولة، وتفكيك المجتمع، وإعادة تشكيل السلطة على أنقاض الاثنين. والسودان، الذي دفع أثمانًا باهظة للخروج من تجربة 1989، لا يحتمل نسخة أخرى، حتى وإن جاءت هذه المرة بلا دبابات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.