بيان النقابة

أطياف - صباح محمد الحسن

(الأسلوب “المهادن” لنقابة الأطباء قد يُفهم وكأن النقابة تغضّ الطرف عن تجاوزات أطباء لم يلتزموا بالحياد، لكن لو صاغت بياناً واضحاً وقوياً لكان ذلك سيحمي النقابة كمؤسسة من الاتهام الجماعي، حتى لو وُجدت حالات فردية لم تلتزم بالمعايير..)

طيف أول:
للأسئلة التي يتمّها غياب الإجابات،
ولكل حزن أعرضت عنه المواساة فصار وحيداً.

وبالأمس صباحاً تساءلنا في هذه الزاوية: لماذا صمتت نقابة الأطباء عن الرد على الفريق عبد الفتاح البرهان، سيما أن الصمت يفتح باباً مشرعاً للاستفهام والتساؤلات؟
وفي نهار ذات اليوم أصدرت نقابة الأطباء بياناً بلغة ركّزت على حماية المهنة والكوادر الطبية، لكنها تجنّبت المواجهة المباشرة مع السلطة واكتفت بالتحذير العام، وكأن التصريح الذي مسّ بسمعة الأطباء لا تعرف النقابة من الذي أدلى به!
فالبيان لم يحمل أي نوع من النفي لما قاله الفريق عبد الفتاح البرهان: “الأطباء كانوا يمدوننا بالمعلومات عن مكان العدو.”
وقرأته مرتين وتبيّن لي أن البيان وقف عند حدود التصريح، لكنه لم يطالب بالعدول عنه، وفوق ذلك لم يسمِّ البرهان ولم يذكره صراحة كما ذكر هو الأطباء صراحة.
ومع ذلك تجاهل البيان وصف التصريح بأنه انتهاك خطير أو تحريض على استهداف الأطباء، واكتفى بلغة عامة وناعمة، فبدا وكأنه بيان “توعوي” لا ردّاً على اعتراف خطير يعرّض حياة الأطباء للخطر.
وتصريح البرهان كان مباشراً:
“الأطباء في جنوب الخرطوم كانوا يمدوننا بالمعلومات عن مواقع العدو.”
لكن بيان النقابة لم يخاطب البرهان كما ذكرهم، ولم يقتبس تصريحه، ولم يصفه بأنه اعتراف خطير، او يطالب بسحبه أو الاعتذار عنه. لذلك ظل البيان يدور حول الموضوع دون مواجهته.
وبالرغم من خطورة الاتهام، لم يطالب البيان بتحقيق لا محلي ولا دولي، ولم يحمّل الجيش مسؤولية تعريض الأطباء للخطر، بل اكتفى بعبارات عامة مثل: “نحذّر من خطورة إقحام الأطباء وندعو إلى الامتناع عن..) وأن هذه اللغة تصلح لورشة عمل، لا لرد على تصريح يهدد حياة الأطباء، خاصة أن البرهان حدّد أطباء منطقة جنوب الخرطوم، وهذا يعني أن الأطباء هناك يمكن أن يُستهدفوا بالاسم.
وتساءلت: لماذا تجاوز البيان المتوقع؟ مثلاً أن تقول النقابة صراحة:
“نرفض الزج بأطباء جنوب الخرطوم في هذا الاتهام الخطير، ونحمّل البرهان مسؤولية أي أذى يلحق بهم.”
إذن لماذا عمّمت النقابة الكلمات وتحدثت عن الأطباء في السودان بشكل عام؟ وبدا البيان وكأنه يتجنب مواجهة جوهر المشكلة. حتى استخدام الفقرات الطويلة والمطاطية مثل شكر الأطباء، والتذكير بالقوانين الدولية، والحديث عن المهنية، جعل البيان يبدو مخففاً ويتحاشى النبرة الصارمة، ولا يتناسب مع خطورة التصريح.
والأطباء وغيرهم من عامة الشعب كانوا ينتظرون بياناً واضحاً يضع خطاً أحمر، ويطالب بسحب التصريح فوراً لأنه يعرّضهم للخطر. حتى لو لم يجد هذا المطلب استجابة، كان سيرد لهم سمعتهم التي حاول البرهان سلبها. لكن البيان لم يطالب بذلك، ولم يطلب حتى توضيحاً، بل تحدث عن “خطورة إقحام الأطباء” دون أن يقول بوضوح إن تصريح البرهان فيه تعدٍّ على هذه الفئة المهمة، وتعدٍّ على القوانين الدولية، وأنه يُعدّ اعترافاً باستخدام المدنيين في عمل عسكري قد يرقى لجريمة حرب.
هذه العبارات كانت متوقعة من نقابة مهنية في لحظة تهديد مباشر وضع سمعتها في المحك. لذلك فإن بيان نقابة الأطباء لا يحميها من المساءلة الدولية إذا ثبت في أي وقت أن أطباء أو مؤسسات طبية شاركوا في عمل استخباراتي أو عسكري، لأن المساءلة الدولية تعتمد على الوقائع والأدلة، لا على البيانات.
هذا الأسلوب “المهادن” قد يُفهم وكأن النقابة تغضّ الطرف عن تجاوزات أو عن أطباء لم يلتزموا بالحياد. لكن لو صاغت بياناً واضحاً وقوياً يرفض تصريحات البرهان رفضاً صريحاً، ويرفض الزج بالأطباء في العمل العسكري، لكان ذلك سيحمي النقابة كمؤسسة من الاتهام الجماعي، حتى لو وُجدت حالات فردية لم تلتزم بالمعايير.
عليه فإن النقابة حاولت إبعاد الشبهة المؤسسية، وأظهرت التزامها بالقانون الدولي، لكنها للأسف لم تلغِ الخطر الذي خلقه تصريح البرهان، لأن الخطر سياسي وميداني، وليس قانونياً فقط. لذلك قد يوفر البيان موقفاً مهنياً يمكن الاستناد إليه دولياً، لكنه لا يوفر حصانة قانونية.

طيف أخير:
#لا_للحرب

استدعت وزارة الخارجية السودانية السفير السوداني لدى إثيوبيا، الزين إبراهيم، إلى الخرطوم للتشاور، وفق ما أفادت به مصادر رفيعة لـ “الشرق” وقالت إن الخطوة تعكس اهتمام الخرطوم بمتابعة التطورات في العلاقات الثنائية مع أديس أبابا.

اهتمام بالعلاقات أم إهمال للعلاقات؟!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.