لم تعد الحرب الدائرة في السودان تُخاض فقط بالسلاح على الأرض، بل امتدت إلى فضاء الخطاب السياسي والإعلامي، حيث تتنافس الأطراف المختلفة على صياغة الرواية التي تمنحها شرعية أكبر أمام الرأي العام الداخلي والخارجي. وفي هذا السياق، برزت محاولات لتأطير الصراع بوصفه مواجهة ذات أبعاد خارجية، في مقابل قراءات ترى أن جذوره الأساسية ترتبط بتعقيدات داخلية متراكمة في بنية الدولة السودانية.
يحذر خبراء من أن إعادة صياغة الحرب بوصفها صراعًا وطنيًا ضد تدخل خارجي، من دون سند موضوعي واضح أو معالجة للأبعاد الداخلية، قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاع عبر تعقيد فرص التسوية السياسية..
إعادة صياغة المشهد: من أزمة داخلية إلى خطاب التدخل الخارجي
خلال فترات التصعيد، تلجأ بعض القوى السياسية إلى إعادة تقديم الصراع في إطار يتجاوز طبيعته الداخلية، عبر التركيز على اتهامات بالتدخلات الخارجية أو تصوير النزاع باعتباره امتدادًا لصراعات إقليمية. ويرى محللون أن هذا النمط من الخطاب يُستخدم غالبًا لإعادة تعبئة الأنصار، وتوسيع دائرة التأييد الشعبي من خلال استدعاء مفاهيم السيادة الوطنية والتهديد الخارجي. هذا التحول في السردية يهدف، وفق مراقبين، إلى نقل النقاش من مساءلة الأطراف المحلية حول مسؤوليتها في الأزمة إلى فضاء أكثر اتساعًا، تُصبح فيه الأولوية لمواجهة “الخطر الخارجي” بدلًا من معالجة أسباب الانهيار الداخلي.
جذور الأزمة: تعقيدات داخلية تتجاوز الروايات السياسية
رغم محاولات إعادة توصيف الحرب، فإن كثيرًا من الخبراء يؤكدون أن الأزمة السودانية تعود في جوهرها إلى تراكمات داخلية طويلة الأمد، تشمل هشاشة مؤسسات الدولة، وتداخل العسكري بالسياسي، وتعثر مسارات الانتقال الديمقراطي، إلى جانب التنافس على النفوذ والموارد.
ويرى هؤلاء أن اختزال الأزمة في بعدها الخارجي قد يُفضي إلى تبسيط مخلّ للمشهد، ويُضعف فرص الوصول إلى حلول واقعية تستند إلى تشخيص دقيق للأسباب البنيوية للصراع.
الخطاب الوطني بين التعبئة والمساءلة
لطالما شكّل الخطاب الوطني أداة مؤثرة في لحظات الأزمات، غير أن استخدامه في سياقات الاستقطاب الحاد يثير تساؤلات حول حدوده ووظيفته. فحين يتحول إلى وسيلة لحشد التأييد السياسي دون أن يقترن بمراجعة نقدية للمسؤوليات الداخلية، فإنه قد يفقد قدرته على توحيد المجتمع، ويتحول إلى عنصر إضافي في تعميق الانقسام. ويشير مراقبون إلى أن استدعاء مفاهيم السيادة والاستقلال يجب أن يقترن أيضًا بنقاش جاد حول إدارة الدولة ومساءلة جميع الفاعلين عن أدوارهم في الوصول إلى الوضع الراهن.
في خضم هذا الجدل، تعود إلى الواجهة أسئلة تتعلق بالتجارب السياسية السابقة للأطراف الفاعلة، ومدى اتساق مواقفها الحالية مع ممارساتها التاريخية..
التاريخ السياسي وإشكالية المصداقية
في خضم هذا الجدل، تعود إلى الواجهة أسئلة تتعلق بالتجارب السياسية السابقة للأطراف الفاعلة، ومدى اتساق مواقفها الحالية مع ممارساتها التاريخية. إذ يرى متابعون أن أي خطاب سياسي يستند إلى الدفاع عن السيادة أو المصلحة الوطنية يظل خاضعًا لتقييم الرأي العام في ضوء سجل تلك الأطراف في إدارة الشأن العام وعلاقاتها الإقليمية والدولية. وتُظهر التجربة السودانية أن المصداقية السياسية لا تُبنى فقط على قوة الخطاب، بل على مدى انسجامه مع الممارسة الفعلية عبر الزمن.
مخاطر تحويل الصراع إلى مواجهة رمزية
يحذر خبراء من أن إعادة صياغة الحرب بوصفها صراعًا وطنيًا ضد تدخل خارجي، من دون سند موضوعي واضح أو معالجة للأبعاد الداخلية، قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاع عبر تعقيد فرص التسوية السياسية. فكلما اتسعت الفجوة بين الرواية السياسية والواقع الميداني، تراجعت فرص التوافق الوطني، وتعززت حالة الاستقطاب. كما أن هذا المسار قد يدفع قطاعات من المجتمع إلى الاصطفاف خلف شعارات عامة، بدلًا من الانخراط في نقاشات جوهرية حول مستقبل الدولة وإعادة بنائها.
الحاجة إلى خطاب يواجه الحقيقة
في نهاية المطاف، يظل التحدي الأكبر أمام السودان هو بناء خطاب سياسي يتعامل مع الأزمة كما هي، لا كما ترغب الأطراف المختلفة في تصويرها. فالتسويات المستدامة لا تُبنى على إعادة إنتاج السرديات التعبوية، بل على مواجهة الأسباب الحقيقية للصراع، وإقرار المسؤوليات، وفتح المجال أمام مشروع وطني جامع يعيد للدولة توازنها وللمجتمع ثقته في المستقبل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.