بين الترحيب والاختبار الصعب: هل يملك الاتحاد الأفريقي مفاتيح التأثير في حرب السودان؟
تقرير – عين الحقيقة
أعاد ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، بمبادرة السلام التي قدمتها حكومة بورتسودان إلى مجلس الأمن، تسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد في إنهاء الحرب السودانية، وحدود قدرته الفعلية على تحويل البيانات الداعمة إلى مسار سياسي مؤثر. فالترحيب الأفريقي، الذي أكد دعم وقف فوري وشامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ونزع السلاح، وإصلاح القطاع الأمني، والمصالحة الوطنية، يعكس من حيث المبدأ رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالًا جوهريًا: هل يمتلك الاتحاد الأفريقي أدوات التنفيذ أم يكتفي بدور المساند السياسي؟
يؤكد الاتحاد الأفريقي، وفق تصريحات رئيس مفوضيته، التزامه القديم بمبدأ «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية»، والدعوة إلى حوار سوداني–سوداني يقود المرحلة الانتقالية نحو إجماع وطني..
الاتحاد الأفريقي: موقف مبدئي أم تدخل فعلي؟
يؤكد الاتحاد الأفريقي، وفق تصريحات رئيس مفوضيته، التزامه القديم بمبدأ «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية»، والدعوة إلى حوار سوداني–سوداني يقود المرحلة الانتقالية نحو إجماع وطني، ودستور موحد، وانتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية. غير أن هذا الخطاب، رغم اتساقه مع تطلعات الشارع السوداني، يواجه تحديًا عمليًا يتمثل في غياب آليات ضغط فعالة على أطراف الصراع، مقارنة بدور أطراف دولية وإقليمية أكثر نفوذًا.
سجل التدخلات السابقة… نجاح محدود
تُظهر مراجعة عين الحقيقة لتدخلات الاتحاد الأفريقي السابقة في السودان—من دارفور، إلى ما بعد ثورة ديسمبر، ثم انقلاب 25 أكتوبر—أن دوره ظل في الغالب رديفًا للمسارات الدولية، لا قائدًا لها. ففي كثير من المحطات، اكتفى الاتحاد ببيانات الإدانة أو التعليق الجزئي للعضوية، دون أن ينجح في فرض مسار سياسي مستدام، ما أضعف صورته كوسيط قادر على إدارة نزاع معقد متعدد الأطراف.
ويرى دبلوماسي أفريقي سابق تحدث للصحيفة أن «مشكلة الاتحاد ليست في الرؤية، بل في القدرة على إلزام الأطراف، خاصة حين تتداخل المصالح الإقليمية والدولية في النزاع السوداني».
ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة حكومة بورتسودان يمنح المبادرة غطاءً سياسيًا قاريًا، لكنه يضع الاتحاد أمام اختبار حقيقي..
مبادرة السلام… اختبار جديد للمصداقية
ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة حكومة بورتسودان يمنح المبادرة غطاءً سياسيًا قاريًا، لكنه يضع الاتحاد أمام اختبار حقيقي: هل سيكتفي بالدعم اللفظي، أم يسعى لتحويل المبادرة إلى عملية تفاوضية ذات جدول زمني وضمانات؟ فخبراء سلام يحذرون من أن أي مبادرة لا تحظى بآلية تنفيذ، ولا تشمل كافة الأطراف المدنية، قد تتحول إلى مجرد وثيقة سياسية بلا أثر ميداني.
الحوار السوداني–السوداني… شرط معقد
يشدد الاتحاد الأفريقي على أن الحل يجب أن يكون بقيادة السودانيين، غير أن واقع الانقسام السياسي، وغياب سلطة مدنية موحدة، واستمرار الحرب، يجعل من هذا الشرط تحديًا مركزيًا. ويشير محللون إلى أن الاتحاد، إن أراد لعب دور مؤثر، عليه توسيع دائرة الحوار لتشمل القوى المدنية المستقلة، ولجان المقاومة، والنازحين، لا الاكتفاء بالتواصل مع السلطات القائمة أو الأطراف المسلحة.
دعوة الاتحاد إلى انتخابات حرة ونزيهة تعبّر عن أفق سياسي مطلوب، لكن مراقبون يرون أن طرح الانتخابات في ظل حرب وانهيار مؤسسات الدولة قد يبدو سابقًا لأوانه..
انتخابات أم سلام أولًا؟
دعوة الاتحاد إلى انتخابات حرة ونزيهة تعبّر عن أفق سياسي مطلوب، لكن مراقبون يرون أن طرح الانتخابات في ظل حرب وانهيار مؤسسات الدولة قد يبدو سابقًا لأوانه. ويؤكد خبراء دستوريون أن الأولوية يجب أن تُمنح لوقف الحرب، وإعادة بناء الثقة، وإصلاح القطاع الأمني، وهي ملفات أشار إليها بيان المفوضية نفسها، لكنها تتطلب التزامًا دوليًا وأفريقيًا طويل النفس.
المحرر
يملك الاتحاد الأفريقي رؤية متكاملة نظريًا لحل الأزمة السودانية، لكنه يفتقر حتى الآن إلى أدوات التأثير الحاسم. فنجاح تدخله مرهون بانتقاله من دور المراقب والداعم إلى دور الوسيط الفاعل، القادر على توحيد المسارات، والضغط السياسي، وضمان شمول العملية السلمية. وبينما يمنح ترحيبه بمبادرة بورتسودان فرصة جديدة، فإن التجربة السودانية تُظهر أن السلام لا يصنعه الترحيب وحده، بل الإرادة، والآليات، والقدرة على إلزام من يحملون السلاح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.