مــيــثاق العبـــور: هنــدســة الوجـود مــن ركــام الــحرب إلى شمــوخ الــدولــــة

أ/ سلـــيم محــمد عــبداللــه

لا تُولد الدول العظيمة من ترف الطمأنينة، بل تنبثق كالعنقاء من رماد الحروب وانكسارات التاريخ. نحن اليوم لا نعيش مجرد انتقال سياسي روتيني، بل نــقف فـي حـــضرة «اللـــحظة الوجودية» التي تسبق إعادة تشكيل الهوية الوطنية تحت لواء حــــكومــــة الســــلام والــــوحـــدة تـــأســـيس. إن هذه الحكومة التي نتطلع إليها ليست مجرد ائتلافٍ للمصالح أو توزيعٍ للمناصب، بل هي «العــــقل الــناظم» الذي سيتولى هندسة العقد الاجتماعي الجديد، وتحويل سيمفونية الموت إلى تراتيل للبناء والحياة.

إن جوهر أزمتنا التاريخية يكمن في «المركزيـــة القابـــضة» التي حولت الأطراف إلى هوامش منسية؛ ومن هنا، فإن تبني النظام الديمقراطي الفيدرالي ضمن رؤية حـــكومــــة الســــلام والوحــدة تـــأســــيس ليس مجرد خيارٍ إداري، بل هو «ضرورة أخلاقية» لاسترداد كرامة المواطن في إقليمه. الفيدرالية في مفهومنا التأسيسي هي «ترياق التشرذم»؛ فهي تمنح الأقاليم حق إدارة مواردها وتنمية ثقافاتها تحت مظلة سيادية موحدة، مما يحول التنوع من فتيلٍ للاشتعال إلى وقودٍ للازدهار. إنها ممارسة شجاعة لتقاسم السلطة والثروة، تضمن ألا يطغى جزءٌ على الكل، وألا يغرق الكل في نزاعات الأجزاء.

وفي قلب هذا المسار، يبرز ثالوث (الـــحرية، الســـــلام، والـــــعدالة) كبوصلة لا تحيد في مسيرة حـــــكومـــــة الســــلام والوحــــدة تـــأســــيس. إن العـــدالة التي ننشدها هي «العدالة التأسيـــسية» التي تتجاوز مفهوم الاقتصاص التقليدي إلى آفاق جبر الضرر ورتق النسيج الاجتماعي. لا يمكننا بناء دولة فوق جراحٍ نازفة؛ لذا فإن المصالحات الاجتماعية العميقة هي الجسر الذي سنعبر عليه نحو المستقبل. إنها عملية «تطهير وطني» شاملة، تعترف بالمظالم التاريخية وتضع ميثاقاً غليظاً يمنع تكرار المأساة، ليصبح الانتماء للوطن أسمى من الانتماء للقبيلة أو الطائفة.

أمــــا عـــن الاستقلال الاقتصادي وحوكمة الموارد، فإن التحدي يكمن في الانتقال من «اقتصاد المنهـــبة» إلى «اقتــصاد الســـــيادة» الذي تقوده حكومــة الســـلام والوحـــدة تـــأســــيس. إن ثرواتنا من معادن ونفط وأراضٍ زراعية ظلت لعقودٍ رهينة لسياساتٍ قاصرة، وآن الأوان لانتزاعها ووضعها في «صناديق سيادية» تُدار بشفافيةٍ رقمية مطلقة. إن استثمارنا الحقيقي يجب أن يوجه نحو «المورد البشري»؛ فالعقول السودانية المهاجرة هي الاحتياطي النقدي الحقيقي الذي سيقود قاطرة النهضة. إننا نؤسس لدولة «الإنتـــاج لا الجبايـــــة»، حيث تُحترم الملكية، ويُشجع الابتكار، وتُصان الموارد للأجيال القادمة.

وعلى صعيد العلاقات الدولية، فإن حــــكومـــــة الســــلام والـــوحـــدة تـــأســــيس تطرح رؤية تقوم على «الدبلومــــاسية المــتزنة والنـــدية الســــيادية». لقد انتهى عهد التبعية والمحاور؛ نحن اليوم نصيغ علاقاتنا مع الجوار والعالم بناءً على المصالح المشتركة والحياد الإيجابي. إن موقعنا الجيوستراتيجي يجب أن يكون «منصةً للربط الاقتصادي» لا «ساحــــةً للصراع بالوكـــــالة». نحن نمد يد الشراكة لكل من يحترم خياراتنا الوطنية، ونسعى لبناء حزام أمان إقليمي يضمن الاستقرار والازدهار للجميع.

إن الطريق من الحرب إلى الدولة مرصوفٌ بالوعي والتضحية. إنها لحظة «الاصــطفاف الوطني الكـــبير» خلف مشروع الدولة الحديثة الذي تحمله حكــومة الســـلام والوحــــدة تـــأســــيس؛ دولة المؤسسات لا الأشخاص، ودولة القانون لا القوة. إننا أمام امتـــحانٍ تــــاريخي: إما أن نكون جيل الـــتأسيس الذي وضع اللبنة الأولى في صرح النهضة، أو أن نكون شهوداً على ضياع الفرصة الأخيرة.

إن حكومــــة الســلام والـــوحــــدة تـــأســــيس هي العهد الذي لا يقبل النكوص، وهي السفــينة التي ستحمل أحلام الملاييــن نحو مرافئ الأمــان. فلتكن إرادتنــا أقوى من جراحنا، ولتكن رؤيتــنا أوسع من خــلافاتنـــا، لنكتب معاً الفصل الأجمل في كتــاب تاريـــخنا الحديــث.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.