بين اللغة الجمالية وخطاب العنف، تقف المرأة الدارفورية على مفترق طرق بين إرث ثقافي ثقيل، وواقع فرض عليها أدواراً جديدة.
في كل مرة يجتمع فيها مجلس (الجودية) لحل نزاع زوجي في إحدى قرى دارفور، تتردد الأمثال الشعبية كمرجعية لا تُنازع.
«المرة جغة عين»، «المرة وليان»، «المرة شعر تابع عنقرة»، عبارات تُختزل فيها فلسفة اجتماعية كاملة عن وضعية المرأة، وتُحدَّد من خلالها أدوارها وحقوقها وحتى قيمتها. لكن هذه الأمثال، التي ظلت لقرون مصدراً للحكمة والإلهام، تواجه اليوم تحدياً وجودياً: كيف لها أن تستمر في مجتمع تغيّر جذرياً بفعل الحرب، والنزوح، والتحولات الاقتصادية العميقة؟
تظل الأمثال الشعبية في المجتمع الدارفوري مصدراً مهماً للبت في شؤونه، وملهمة لأداء الكثير من المهام. وتشاركها الأغنيات الشعبية و(الحدايين) و(الحكامات) في تشكيل خطاب معيّن تجاه قضايا محددة، وخصوصاً في المجتمعات التي تدين بالولاء أولاً للقبيلة، وهي غالبية مجتمع دارفور.
في هذا الإرث الثقافي الغني، نجد أن المرأة تُصوَّر من زوايا متعددة، ومتناقضة أحياناً. فهي، من جهة، جزء من الممتلكات، والممتلكات الخاصة جداً، إذ إنها «المرة جغة عين»، ولا يستقيم أن تكون دون من يتولى أمرها: «المرة وليان»، و«المرة شعر تابع عنقرة».
لكن، من جهة أخرى، تُعامل المرأة كشريكة في الحياة الزوجية، إذ تتعدد الأمثال بإبداء الآراء في اختيارها:
«اخد المرة البتراشيك والبس الخلق الأبيض ولو ما كاسيك»،
و«سفر الخريف وأكل التفاتيف وراكوبة في الخريف وزواج بت المراة اللفيف أبعد منهم واقيف أقيف»،
و«اخد المرة الزرقة لت، والمرة التخينة، والمرة الطويلة»،
و«اخت بت العم تشيل الهم».
تتواصل النصائح في الاختيار:
«اسكن البلد الشبيعة، والبس الجبة الوسيعة، وآخد المرة المطيعة كلها للعمر تمتيعة»،
لكن التراث الشعبي لا يخلو من قسوته؛ فالأمثال تعيب زواج الأرملة:
«نعال بقديد ولا مرة بوليد»،
وأيضاً المرأة التي تقدمت في السن:
«تربية كدايس، وترديد حدايث، وجيزة عجايز، كل نقايص في نقايص».
ويظل مثل:
«تلاتة ما ترفع منهم عصا: المرة، والنقارة، والحمارة»
حاضراً بقوة في أوساط المدافعين عن حقوق المرأة، والرافضين لتجريم مثل هذه الأمثال، كدليل على الموروث الثقافي الذي يبرر العنف ضد المرأة.
وفي مثل آخر يعكس النظرة الاقتصادية للزواج:
«كم فاتوك في الدرب إزوج مرتين وربى كلب»،
وهي بمثابة تحفيز لتحسين الوضع الاقتصادي عبر الزواج بزوجتين تساهمان في الإنتاج وتحسين الوضعية الاجتماعية للفرد.
في المقابل، نجد في الأغنيات التراثية مساحة أكثر رحابة للتعبير عن الجمال والمشاعر الإنسانية. أغنيات تتغنى بالمرأة وصفاتها ومفاتنها:
«نجمتين الفي بلدنا..
واحدة سواكن، واحدة زحل..
يا كريم مولاي صوّر..
والنهيد يا دووبو دور..
قلم الحواجب رسم الدلال»
وأغنية تعبر عن زواج إحدى الفتيات برجل كبير، بنبرة احتجاجية واضحة:
«يا إخواني شوفوا العجايب كيف سوا..
السميحة جوزو لي شايب.. كيف سوا»
كما تجد الفتاة مساحة للتعبير عن حبها وعشقها لرجل معين، أو حنين لغائب:
«اخدر الليمونة، والنظارة جوة عيونا.. أنا مجنونة..»
«سجاير قول ما حمتني النوم..
بشيل الجردل بحلب الليمون..
عميري هدية لشباب دارفور»
«شال شنيتو ما ورّاني..
سبب الألم الجوة قلبي..
فراق اليوم حار يا تومي..
الدنيا دايرة صبر»
وفي أغنيات أخرى تعبر المرأة عن موقعها في البيت والعلاقات الأسرية:
«آيا يا أمي شغلتي ودرت، تعالي شوفي لي حلل»
«دسوا في دواني.. سدوا بدلي.. اليوم ولا يومنا سيد البيت اهو جي»
لكن هذه اللغة الجمالية، وتلك الأمثال التي تعكس بنية اجتماعية واقتصادية معينة، اصطدمت بواقع قاسٍ فرضته عقود من الحروب والصراعات. المرأة الدارفورية، التي كانت الأمثال تصورها كـ«شريكة في الإنتاج» ضمن الاقتصاد الزراعي والرعوي التقليدي، وجدت نفسها فجأة المعيلة الرئيسية للأسرة في معسكرات النازحين.
تقول نازحة في معسكر كلما:
«كانت أمي تردد دائماً: المرة وليان، لكن اليوم أنا من يتولى أمر أربعة أطفال وأمي العجوز. زوجي اختفى في الحرب، وإخوتي تشتتوا. من سيتولى أمري الآن؟».
هذا التحول لم يكن اختيارياً. النزوح القسري والتهجير حوّل المرأة من منتجة في الحقول والمراعي إلى باحثة عن لقمة العيش في اقتصاد هامشي غير مستقر. المرأة التي كان يُنظر إليها باعتبارها بحاجة لمن يتولى أمرها، وجدت نفسها مضطرة لتولي أمر عائلات بأكملها بعد فقدان المعيل أو غيابه بسبب الحرب.
هذا التحول أنتج تناقضاً صارخاً بين الخطاب التراثي والواقع المعاش. فبينما تظل الأمثال تحث على الطاعة والتبعية، تجد المرأة نفسها في موقع صنع القرار الاقتصادي والأسري اليومي. وبينما يعيب المثل الشعبي المرأة العاملة خارج المنزل، أصبح عمل المرأة في الأسواق وجمع الحطب والمياه ضرورة حتمية للبقاء.
تغيرت أيضاً أنماط الاستهلاك نفسها. المجتمع الذي كان يعتمد على الاكتفاء الذاتي والإنتاج المحلي، أصبح معتمداً على السوق والمعونات الإنسانية، مما قلّص من دور المرأة التقليدي في الإنتاج الزراعي وتربية الماشية، ودفعها نحو أعمال هامشية وغير مستقرة في الاقتصاد الحضري غير الرسمي.
الحروب المتعاقبة في دارفور لم تدمر البنية التحتية المادية فحسب، بل أحدثت شروخاً عميقة في النسيج الاجتماعي نفسه. النظام القبلي، الذي كانت تستمد منه الأمثال الشعبية قوتها وسلطتها المعنوية، تعرض لضربات متتالية أضعفت من فاعليته كمرجعية اجتماعية وأخلاقية.
مجالس (الجودية)، التي كانت تستند إلى هذه الأمثال في حل النزاعات، فقدت الكثير من هيبتها وقدرتها على فرض أحكامها في ظل انتشار السلاح وتسييس الانتماءات القبلية. الحكمة الجماعية التي كانت تُختزل في مثل أو (حكامة) لم تعد كافية لمواجهة تعقيدات الصراع المسلح، والنزوح، والتهجير.
أدى هذا الانقسام إلى تفكك الأسر الممتدة وتشتت العائلات بين معسكرات اللاجئين والنازحين والمدن المختلفة. المرأة التي كانت تجد في «بت العم» سنداً ودعماً، كما يقول المثل: «اخت بت العم تشيل الهم»، وجدت نفسها معزولة عن شبكات الدعم التقليدية هذه، مما فرض عليها الاعتماد على الذات بشكل غير مسبوق.
من أبرز تأثيرات الصراع المطول في دارفور تحوّل الخطاب الثقافي من لغة الجمال والغزل والحياة اليومية إلى لغة الحرب والعنف والصمود. الأغنيات الشعبية، التي كانت تتغنى بجمال المرأة وعذوبة الحب كما في «اخدر الليمونة والنظارة جوة عيونا»، تراجعت أمام أغنيات الحماسة الحربية والندب والفقد.
اللغة الجمالية التي كانت تصف المرأة بـ«نجمتين الفي بلدنا» و«قلم الحواجب رسم الدلال»، استُبدلت تدريجياً بخطاب يركز على الألم والمعاناة والصمود. المرأة لم تعد موضوعاً للجمال والحب في الأغاني بقدر ما أصبحت رمزاً للصبر والتضحية والمقاومة.
يقول باحث في التراث الشعبي لـ«عين الحقيقة»:
«الأطفال الذين نشأوا في معسكرات النازحين لم يسمعوا الأغاني التراثية التي تحتفي بالحب والحياة، بل نشأوا على أصوات الرصاص وقصص النزوح والخوف. هذا الحرمان من اللغة الجمالية والفنية يخلق جيلاً محروماً من الذاكرة الثقافية الإيجابية».
حتى «الحدايين»، التي كانت تُنشد في الأفراح والمناسبات السعيدة، تراجعت بشكل كبير مع تراجع المناسبات الاحتفالية نفسها. الزواج، الذي كان مناسبة اجتماعية كبرى تُقال فيه الأمثال وتُنشد الأغاني، أصبح في كثير من الأحيان حدثاً بسيطاً يتم في ظروف النزوح والفقر، بعيداً عن الاحتفالية التقليدية.
الانقسام الاجتماعي أنتج أيضاً أشكالاً جديدة من التمييز والعنف ضد المرأة، لا تعكسها الأمثال التقليدية. العنف الجنسي كسلاح حرب، والاتجار بالنساء، والزواج القسري في ظل الأزمات الإنسانية، كلها ظواهر حديثة نسبياً لا تجد لها إطاراً مرجعياً في التراث الشعبي، مما خلق فراغاً في الخطاب الاجتماعي حول هذه القضايا.
تقول ناشطة حقوقية لـ«عين الحقيقة»: عندما نواجه بالعنف في مناطقنا، لا نجد في تراثنا الشعبي ما يساعدنا على معالجة الصدمة أو تقديم الدعم للناجيات. بل، على العكس، بعض الأمثال تلوم الضحية أو تحملها مسؤولية ما حدث لها».
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ما مصير هذا التراث الثقافي الغني من الأمثال والأغنيات في ظل التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الدارفوري؟ وكيف يمكن التوفيق بين الحفاظ على هذا الإرث الثقافي، والحاجة إلى تطوير خطاب جديد يستجيب لواقع المرأة المعاصر؟
الجيل الجديد، الذي نشأ في المدن ومعسكرات النازحين، يجد نفسه منفصلاً عن هذا التراث بشكل متزايد. اللهجات المحلية التي تُحكى بها هذه الأمثال تتراجع أمام العربية الفصحى ولهجات أخرى. الأنماط الحياتية التي أنتجت هذه الأمثال لم تعد قائمة في كثير من الأحيان.
من جهة أخرى، هناك خطر حقيقي من أن يؤدي الانقطاع الكامل عن هذا التراث إلى فقدان الهوية الثقافية، وإضعاف الروابط الاجتماعية. الأمثال والأغنيات الشعبية، رغم ما تحمله من إشكاليات في تصويرها للمرأة، تظل جزءاً من الذاكرة الجماعية ومن تماسك المجتمع.
المطلوب، إذن، ليس الإلغاء الكامل ولا التجميد الكامل لهذا التراث، بل قراءة نقدية واعية له؛ قراءة تحتفظ بالقيم الإيجابية فيه، كالحكمة في اختيار شريك الحياة، وأهمية الترابط الأسري، والتعبير الجمالي عن المشاعر الإنسانية، وفي الوقت نفسه تتجاوز الجوانب التي تحط من كرامة المرأة أو تبرر العنف ضدها.
التحدي الأكبر هو كيفية بناء خطاب ثقافي جديد يعكس واقع المرأة الدارفورية المعاصرة: المرأة المعيلة، المرأة المتعلمة، المرأة الناشطة في المجال العام، المرأة الناجية من العنف، المرأة القيادية في مجتمعها. هذا الخطاب الجديد يحتاج إلى أمثال وأغنيات وحكايات جديدة تعكس هذه التجارب، وتصنع ذاكرة جماعية أكثر عدالة وإنصافاً.
كما أن إعادة إحياء اللغة الجمالية والفنية في المجتمع الدارفوري تمثل ضرورة نفسية واجتماعية. فالمجتمع لا يمكنه أن يعيش على خطاب الحرب والألم فقط، بل يحتاج إلى مساحات للجمال والفرح والحب. إعادة الاحتفاء بالحياة اليومية، وبالعلاقات الإنسانية، وبالطبيعة، وبالحب، هي جزء من عملية الشفاء الجماعي التي يحتاجها المجتمع.
تبقى الأمثال الشعبية لمختلف الثقافات الدارفورية إرثاً كبيراً؛ بها ما يتوافق مع الخطاب الحديث لقضية المرأة، وبها ما يتعارض معه. في كل مرة تجتمع فيها نساء دارفور للعمل أو الحديث، يتردد صدى هذه الأمثال، لكن بمعانٍ جديدة يفرضها الواقع المعاش.
التراث الثقافي الدارفوري، بكل ما يحمله من تناقضات، يظل شاهداً على تجربة إنسانية عميقة. الحفاظ عليه نقدياً، وتطويره بما يتناسب مع التحولات المعاصرة، وإعادة بناء لغة جمالية تحتفي بالحياة والإنسان، كلها مهام ضرورية لبناء مستقبل أكثر عدالة وإنسانية للمجتمع الدارفوري، ولنسائه بشكل خاص.
في النهاية، ربما تحتاج دارفور إلى أمثال جديدة تُولد من رحم التجربة المعاصرة، أمثال تقول:
«المرة سند البيت في وقت الشدة»، أو «المرة النازحة ربّت جيلاً»، أو «المرة الدارفورية صمدت وانتصرت».
أمثال تحتفي بالقوة والصمود دون أن تنسى الجمال والحب، تعترف بالألم دون أن تستسلم لليأس، وتحافظ على الذاكرة دون أن تنحبس في الماضي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.