البيوت التي لم تعد مأوى..! الحرب.. وتفكك الروابط الاجتماعية في السودان

عين الحقيقة: د.عيسي الغالي

لم يكن البيت في السودان مجرد جدران وسقف، بل فضاءً للطمأنينة، وامتدادًا للأسرة، ومركزًا لعلاقات اجتماعية تشّكّل جوهر المجتمع. اليوم، ومع استمرار الحرب، فقد البيت معناه التقليدي، وتحول في كثير من الحالات إلى ذكرى بعيدة أو محطة عابرة في حياة نزوح طويلة. خلف مشاهد الدمار والنزوح ،تجري أزمة اجتماعية صامتة لا تقل خطورة: تفكك الروابط التي كانت تمسك المجتمع السوداني من الداخل .

النزوح المفاجئ لم يشتت الأفراد فقط، بل فكك الأسر الممتدة التي كانت تعيش في نطاق جغرافي واحد..

منازل بلا ساكنين… وأسر بلا اجتماع
في أحد أحياء الخرطوم، تقف صفوف من البيوت المغلقة، بعضها مدمّر، وبعضها الآخر سليم لكنه مهجور. يقول (م.إ)، موظف حكومي نزح إلى ولاية نهر النيل: «خرجنا على أساس أسبوعين. تركنا كل شيء. الآن مرّت أعوام، والبيت لم يعد بيتنا… صار مكاناً لا نعرف إن كنا سنعود إليه أم لا.» النزوح المفاجئ لم يشتت الأفراد فقط، بل فكك الأسر الممتدة التي كانت تعيش في نطاق جغرافي واحد. الجّدّ في مدينة، الأب في أخرى، الأبناء موزعون بين دول الجوار. هذا التشتت ضرب نموذج الأسرة السودانية التقليدية في الصميم .
النزوح وتآكل التضامن:
لطالما عُُرف المجتمع السوداني بقوة التكافل الاجتماعي. لكن الحرب وضعت هذا التضامن تحت اختبار قاسٍ. (ف.ع)، نازحة من الخرطوم إلى مدينة صغيرة في شرق السودان، تقول: «في البداية استقبلونا بحفاوة. بعد شهور بدأ الضيق. الناس نفسها تعاني .» مع طول أمد الحرب، تقلصت قدرة المجتمعات المستضيفة على الاستيعاب، وبدأ التوتر يتسلل إلى العلاقات. النزوح لم يعد حالة إنسانية طارئة، بل عبئاً يوميًا في ظل شح الموارد وغياب الدولة.
حين تتحول الأسرة إلى عبء:
في بيوت النزوح المؤقتة، تغيّرت ديناميكيات الأسرة. (ع.م)، رب أسرة فقد عمله بعد الحرب، يروي: «كنت المعيل. الآن نعتمد على مساعدات الأقارب. أشعر أن وجودي نفسه عبء .» هذا الشعور بالعجز أصاب آلاف الرجال والنساء، وأحدث خللاً في الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة. ارتفاع التوتر، الخلافات الزوجية، والعنف الأسري أصبحت ظواهر متكررة، لكنها غالباً تخُفى خلف جدران الصمت .

الإدارات الأهلية التي كانت تلعب دور الوسيط الاجتماعي فقدت كثيرًا من نفوذها، إما بسبب النزوح أو الاستقطاب السياسي..

الجيران… غرباء تحت سقف واحد:
في مراكز الإيواء، يعيش عشرات الأشخاص في مساحات ضيقة. الخصوصية شبه معدومة، والاحتكاك اليومي يولد صراعات صامتة. تقول (س.ن)، نازحة تقيم في مدرسة تحولت إلى مأوى: «نعيش معًا لكن لا نعرف بعضنا. كل واحد منشغل بخوفه». المفارقة أن القرب الجسدي لم يعزز التقارب الاجتماعي، بل زاد من العزلة النفسية. كثيرون باتوا يتجنبون الاحتكاك، ويفضلون الانسحاب حفاظًا على الحد الأدنى من السلام.
تفكك الإدارات الأهلية:
لم تسلم البنى التقليدية من الانهيار. الإدارات الأهلية التي كانت تلعب دور الوسيط الاجتماعي فقدت كثيرًا من نفوذها، إما بسبب النزوح أو الاستقطاب السياسي. غياب هذه الهياكل ساهم في تصاعد النزاعات الصغيرة دون آليات حل . يقول أحد شيوخ القرى في شمال كردفان: «كنا نحل الخلاف بالكلمة. الآن الناس مسلحة، وكل طرف يشعر أنه وحده .»
النساء… عمود الأسرة المرهق:
مع غياب أو فقدان عدد كبير من الرجال، وجدت النساء أنفسهن في موقع القيادة الأسرية دون موارد كافية. (ر.ح)، أرملة وأم لأربعة أطفال، تقول: «أنا الأم والأب في آن واحد. لا وقت للحزن .» الضغط الاجتماعي والنفسي على النساء فاقم العزلة، وجعل كثيرات ينعزلن عن محيطهن الاجتماعي، مكتفيات بدائرة الأسرة الضيقة.

الناس منشغلون بالبقاء، ولا وقت لديهم لتفكيك ما يحدث اجتماعياً. هذا الصمت خطير، لأنه يسمح بتآكل الروابط دون مقاومة واعية..

الأطفال بلا جذور:
الأطفال هم الأكثر تأثرًا بتفكك الروابط. التنقل المستمر، فقدان المدرسة، وانقطاع الصداقات خلق شعورًا بعدم الانتماء. (ي.س)، طفل في العاشرة، يقول بهدوء: «لا أعرف أين بيتنا الحقيقي .» هذا السؤال البسيط يلخص أزمة هوية تتشكل في جيل كامل، جيل لا يعرف الاستقرار، ولا يملك ذكريات مكان ثابت .
الصمت الاجتماعي:
رغم كل ذلك، لا يعُبّر المجتمع كثيرًا عن هذا التفكك. الناس منشغلون بالبقاء، ولا وقت لديهم لتفكيك ما يحدث اجتماعياً. هذا الصمت خطير، لأنه يسمح بتآكل الروابط دون مقاومة واعية. ما بعد الحرب: هل تعود البيوت؟ إعادة بناء البيوت بالحجر ممكنة، لكن إعادة بناء الروابط الاجتماعية أكثر تعقيًدًا. فالثقة التي تآكلت ،والعلاقات التي انقطعت، تحتاج إلى وقت وجهد وسياسات واعية .
الحرب جعلت من البيت مكانًا غير مضمون، ومن الأسرة وحدة هشة، ومن المجتمع تجمعاً هشًا للأفراد. السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستعود البيوت لتكون مأوى؟ أم أن السودان سيخرج من الحرب بمجتمع مكسور من الداخل؟ ما هو مؤكد أن أخطر ما خسرته البلاد ليس فقط المباني، بل الروابط التي كانت تجعل من تلك المباني بيوتاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.