لم يكن تجاني أحمد يتوقع أن تتحول مساعدة جارٍ في حيه بمدينة نيالا إلى أزمة مالية معقّدة. يقول تجاني، إن جاره طلب منه استخدام حسابه البنكي لاستقبال مبالغ مالية مؤقتًا، فوافق بدافع الجيرة والثقة. جرى تحويل الأموال إلى حسابه على دفعات متفرقة، إلى أن بلغ مجموعها نحو 16 مليون جنيه سوداني. وبحسب روايته لـ “دارفور24″، بدأ الجار لاحقًا في سحب المبالغ تدريجيًا، إلى أن تبقى منها قرابة ثمانية ملايين جنيه. غير أن المفاجأة وقعت في صباح أحد أيام نوفمبر الماضي، حين اختفى المبلغ المتبقي بالكامل من حسابه دون أي إشعار أو توضيح عبر التطبيق. أبلغ تجاني جاره بما حدث، لتبدأ بعدها رحلة بحث طويلة لمعرفة مصير الأموال والجهة التي قامت بسحبها.
صاحب تحويلات مالية، قال إنه تفاجأ في يوم الخامس من مارس الجاري باختفاء ثلاثة ملايين جنيه سوداني من حسابه في بنك الخرطوم، دون أي إشعار أو توضيح
شرع تجاني في عمل توكيل لأحد أقاربه في بورتسودان، لمتابعة الأمر لدى النيابة وإدارة بنك الخرطوم. هناك أُبلغ بأن المبلغ جرى حجزه بناءً على بلاغ مفتوح في نيابة الدبة بالولاية الشمالية، يفيد بأن الأموال محل شبهة احتيال تتعلق ببيع أراضٍ في أم درمان. وبحسب إفادة النيابة، طُلب من صاحب الحساب الحضور شخصيًا لمتابعة الإجراءات، وهو ما لم يتمكن تجاني من فعله بسبب ظروف الحرب وصعوبة التنقل. ويضيف أن جاره، رغم علمه بتفاصيل القضية، طالبه وأسرته بإرجاع المبلغ وهددوه باتخاذ إجراءات ضده، ما اضطره إلى السداد تحت الضغط.
في مدن دارفور التي أُغلقت فيها فروع البنوك بسبب الحرب، تحوّل تطبيق «بنكك» من وسيلة لتسهيل المعاملات المالية إلى مصدر قلق متزايد لآلاف المواطنين. خلال الأشهر الماضية، تصاعدت شكاوى عملاء بنك الخرطوم من سحب مبالغ مالية من حساباتهم دون إشعار مسبق، أو تجميد الحسابات بصورة مفاجئة، وسط اتهامات بوجود ثغرات إجرائية واستغلال لبلاغات النيابة، لا سيما في المناطق الخارجة عن الخدمة المصرفية، حيث يصعب على المتضررين متابعة حقوقهم أو الوصول إلى الفروع الرسمية.

سحوبات بلا إشعار
وفي واقعة أخرى يقول عبدالكريم محمد، صاحب تحويلات مالية، إنه تفاجأ في يوم الخامس من مارس الجاري باختفاء ثلاثة ملايين جنيه سوداني من حسابه في بنك الخرطوم، دون أي إشعار أو توضيح. ويوضح، في حديثه لـ “دارفور24″، أنه لم يتلقَّ أي تنبيه عبر تطبيق بنكك، ما دفعه للبحث عن سبب الخصم.
ويضيف أنه كان قد أجرى توكيلًا لشقيقه في بورتسودان لمتابعة معاملاته، وهناك تبيّن، عبر كشف الحساب، أن شخصًا حوّل المبلغ من حسابه وطالب باستلامه نقدًا، ثم فتح بلاغًا لدى النيابة مدعيًا أن التحويل تم عن طريق الخطأ. وبناءً على مخاطبة النيابة، استرد البنك المبلغ من حساب عبدالكريم دون الرجوع إليه. ويشير إلى أن تطبيق بنكك يحتوي على خاصية لمعالجة التحويلات الخاطئة عبر إخطار الطرف الآخر، إلا أن الشخص المعني لم يستخدمها، ولجأ مباشرة إلى فتح بلاغ.
ويقول عبدالكريم إنه تعرّف لاحقًا على هوية الشخص عبر حركة الدخول والخروج في الحساب، وفتح بلاغًا في نيالا أُوقف بموجبه المتهم، الذي يُدعى «ص، ر»، قبل أن تُسوّى القضية تسوية أهلية.
وفي واقعة أخرى، قال الشفيع عبدالله، صاحب توكيلات مالية، لـ “دارفور24” إنه فقد نحو 11 مليون جنيه سوداني من حسابين مختلفين خلال سبعة أيام فقط. بدأت القصة، بحسب إفادته، يوم 17 ديسمبر الماضي، حين اختفى مبلغ خمسة ملايين جنيه من أحد حساباته دون أي إشعار أو حركة سابقة تبرر الخصم. وبعدها توقف الحساب عن الإرسال والاستقبال، قبل أن يُغلق نهائيًا. وبعد ستة أيام، تكررت الواقعة في حسابه الشخصي، حيث اختفى مبلغ 5.5 ملايين جنيه يوم 23 ديسمبر، أيضًا دون إخطار.
أنماط مختلفة
وتتقاطع هذه الشهادات مع إفادات مواطنين آخرين تحدثوا لـ “دارفور24” عن نمطين متكررين لعمليات سحب الأموال؛ أحدهما يرتبط ببلاغات حقيقية، والآخر، بحسب وصفهم، يتم عبر شبكات تستغل التحويلات المالية، خاصة تلك المرتبطة بالتوكيلات ومحال التحويل، حيث يجري تحويل الأموال واستلامها نقدًا، ثم فتح بلاغات كيدية لاسترداد المبالغ عبر النيابة.
وتشير إفادات المتضررين إلى وجود ثغرات في إجراءات البنك، تتمثل في سحب أو حجز الأموال، أو إيقاف الحسابات نهائيًا، دون إخطار أصحابها عبر البريد الإلكتروني أو تطبيق واتساب. ويؤكدون أن بعض عمليات السحب تظهر في سجل المعاملات تحت مسمى استرداد عبر النيابة، بينما تختفي مبالغ أخرى دون أي أثر في سجل التطبيق.

وتدعم هذه الإفادات مستندات ووثائق اطلعت عليها “دارفور24″، من بينها توكيلات قانونية صادرة من محامين في نيالا، وكشوفات حساب عبر تطبيق بنكك، إضافة إلى مراسلات إلكترونية منسوبة للبنك، تُظهر مسارات مختلفة لسحب الأموال وتجميد الحسابات دون إخطار مباشر لأصحابها.
وتوضح هذه الوثائق تنفيذ عمليات استرداد مبالغ مالية بأوامر صادرة من النيابة أو المحاكم، جرى خصمها على دفعات وبقيم متفاوتة، وظهرت في سجل المعاملات تحت مسميات من بينها استرداد مبلغ بأمر قاضٍ، مع الإشارة إلى جهات قضائية مختلفة. كما تُظهر كشوف الحساب خصومات متتالية في يوم واحد، دون أن يسبقها أي إشعار عبر التطبيق.
كما اطّلعت “دارفور24” على رسائل إلكترونية أُرسلت لعملاء، تفيد برصد ما وُصف بنشاط غير معتاد في الحسابات، وترتب عليه تجميدها مؤقتًا إلى حين استكمال متطلبات التحقق من هوية العميل، المعروفة بإجراءات «اعرف عميلك». غير أن متضررين أكدوا أن تنفيذ هذه المتطلبات غير ممكن عمليًا بالنسبة لسكان دارفور، بسبب إغلاق الفروع المصرفية وصعوبة التنقل في ظل الحرب.
كما تحصلت “دارفور24” على رسائل إلكترونية أُرسلت لعملاء، تفيد برصد ما وُصف بنشاط غير معتاد في الحسابات، وترتب عليه تجميدها مؤقتًا إلى حين استكمال متطلبات التحقق من هوية العميل، المعروفة بإجراءات «اعرف عميلك». غير أن متضررين أكدوا أن تنفيذ هذه المتطلبات غير ممكن عمليًا بالنسبة لسكان دارفور، بسبب إغلاق الفروع المصرفية وصعوبة التنقل في ظل الحرب.
وتكشف بعض المستندات، في المقابل، عن وجود آلية داخل التطبيق لمعالجة التحويلات الخاطئة عبر إخطار الطرف المستلم، ما يثير تساؤلات حول أسباب اللجوء المباشر إلى المسار القضائي في حالات أخرى مشابهة، دون استخدام هذه الخاصية.
ويقول متضررون إن هذه الحالات موجودة في مختلف ولايات السودان، لكنها أكثر انتشارًا في دارفور، بسبب إغلاق الفروع وتعقيدات المتابعة القانونية، إذ لا تُعتمد البلاغات المفتوحة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع لدى النيابات في مناطق سيطرة الجيش، والعكس، ما يدفع كثيرين إلى التخلي عن متابعة حقوقهم.
وتكشف هذه المستندات عن مسارين متوازيين للتعامل مع الأموال: الأول قانوني يتم عبر أوامر قضائية وبلاغات نيابة، ويظهر أثره في كشوف الحساب. والثاني إجرائي يتمثل في التجميد أو السحب دون إخطار مسبق كافٍ، وفي بيئة تجعل من الصعب على العميل ممارسة حقه في المتابعة أو الدفاع.
ويرى متضررون أن هذه الفجوة جعلتهم عرضة للاستغلال، خاصة في حالات التوكيلات والتحويلات التجارية، حيث يمكن – بحسب إفاداتهم – تحويل الأموال، ثم استلامها نقدًا، وفتح بلاغ لاحق لاستردادها عبر النيابة، في ظل عجز الطرف الآخر عن المتابعة.
وقال إدريس حسن يحيى، أحد المتضررين من إيقاف الحسابات ببنك الخرطوم، لـ “دارفور24” إن حسابه أُوقف بعد خصم ثمانية ملايين جنيه سوداني منه في أبريل الماضي. وأضاف أنه يعمل في التجارة بين السودان وتشاد، وحين حاول سداد قيمة بضاعة عبر تطبيق بنكك، فوجئ بخصم المبلغ وظهور رسالة تفيد بإيقاف الحساب.
وأوضح أنه أوكل أحد أقاربه لمتابعة الأمر، لكنه لم يحصل على أي تفسير رسمي لسبب الإيقاف.

وفي إفادة أخرى، قال شخصان وصلا إلى بورتسودان قادمين من الفاشر إن ذويهما دفعوا فدية مالية قدرها عشرة ملايين جنيه لمسلحين مقابل إطلاق سراحهما. وذكر أحدهما لـ “دارفور24” أن بلاغًا فُتح ضد صاحب الحساب الذي استُخدم في تحويل الفدية، وبموجب توصية النيابة جرى حجز المبلغ ثم تحويله بعد اكتمال التحريات.
كما روى أحد عملاء بنك الخرطوم تعرضه لعملية احتيال إلكتروني، بعد أن تواصل معه شخص عبر حساب مخترق على فيسبوك، وطلب منه تنفيذ خطوات داخل تطبيق بنكك بزعم إضافة مبلغ إلى حسابه. وبعد تنفيذ التعليمات، فوجئ بخصم أكثر من مليون جنيه سوداني، قبل أن يكتشف لاحقًا أن المبلغ جرى توزيعه على عدة حسابات، ما صعّب عملية استعادته.
وفي جنوب دارفور، قالت معلمة بوزارة التربية والتوجيه، فضّلت حجب اسمها، إن حسابها البنكي أُوقف بأوامر من النيابة، بعد إدراج اسمها ضمن كشوفات متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، رغم استمرار استلامها راتبها لأشهر بعد اندلاع الحرب. وأكد مصدر رفيع في حكومة جنوب دارفور التابعة لحكومة بورتسودان، تكوين لجنة لإيقاف حسابات الموظفين الذين يثبت تعاونهم مع الدعم السريع، إلى جانب إيقاف مرتباتهم وحظر سفرهم.
وفي شرق دارفور، تزايدت شكاوى التجار وأصحاب محال التحويلات المالية من سحب مبالغ من أرصدتهم دون علمهم، ما زاد من مخاوف استخدام تطبيق بنكك. وقال التاجر محمود حميدة من سوق الضعين لـ “دارفور24” إنه فقد أربعة ملايين جنيه من حسابه، إضافة إلى سحب مليوني جنيه أخرى كان قد حوّلها إلى حساب زميل له. وأضاف أن إدارة البنك أبلغته لاحقًا بأن المعاملات مرتبطة ببلاغ حول فدية مالية، مؤكدًا أنه لا يستطيع السفر لمتابعة القضية بسبب إقامته في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
وتكررت الحادثة مع صاحب محل تحويلات آخر، محمد رحمة الله، الذي قال إن خمسة ملايين جنيه سُحبت من حسابه بعد ساعة واحدة من استلامها، واضطر لاحقًا إلى سداد المبلغ. وأوضح أن إدارة البنك أفادته بوجود بلاغ من تاجر في عطبرة، يتعلق بتحويل مالي مقابل السماح بمرور ماشية تجارية.
وأشار سليمان خميس، أحد تجار المحاصيل، إلى أن مئات التجار امتنعوا عن استلام التحويلات عبر بنكك، ما أدى إلى ركود غير مسبوق في أسواق شرق دارفور، ورفع نسبة الخصم من التحويل إلى النقد إلى 30 في المئة، مع تأثير مباشر على أسعار المحاصيل وحركة البيع والشراء.
ورغم محاولات “دارفور24” الحصول على تعليق رسمي من بنك الخرطوم، عبر التواصل مع مدير الاتصال المؤسسي مجدي أمين، وطرح أسئلة تتعلق باتهامات وجود ثغرات أو استغلال لبلاغات النيابة، وآليات حماية العملاء في مناطق الحرب، لم يرد البنك على الاستفسارات حتى لحظة إعداد هذا التقرير، رغم تأكيد وصول الرسائل.
(دارفور24)
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.