في هذه السلسلة الحوارية، يفتح الكاتب مهند زامل نقاشًا عميقًا مع د. ناهد محمد الحسن، الكاتبة والطبيبة النفسية، بوصفها نموذجًا بارزًا للعقل الأكاديمي الوسطي، لا من باب الخصومة الفكرية، بل انطلاقًا من الرغبة في تفكيك المسلّمات، ومراجعة المواقف، وطرح أسئلة جذرية حول طبيعة الدولة السودانية، وانهيارها، وتأثير ذلك على بنية المجتمع، ومسارات الحرب والسلام.
يقول الكاتب مهند زامل في مضابط الحوار: «نعود مرة أخرى إلى محاورة د. ناهد، ولكن دعونا نكون أكثر صراحة ووضوحًا هذه المرة. أنا شخصيًا أُعطي هذا الحوار أهمية بالغة، وذلك لأنني لا أحاور د. ناهد في ذاتها، وإنما أحاور فئة كبيرة من المثقفين السودانيين، وبالأخص الوسطيين والنيليين الذين طالهم الالتباس حول تعريف حرب 15 أبريل وأطرافها، مما قاد هذا الالتباس إلى تصديق «العلف» والوقوع في فخ نظرية المؤامرة. وباعتبار أن د. ناهد تمثل ذروة المثقفين الأكاديميين، يمكننا عبرها أن نوضح آراءنا حول ما دار وما يدور في أروقة العملية الفكرية والسياسية والأمنية في السودان المعاصر.
حين تتفكك الدولة؟
نحن هنا لسنا بصدد تعريف الدولة تاريخيًا أو بنيويًا، ولكن لوضع النقاط على الحروف، يجب علينا المرور سريعًا على مفهوم الدولة وماهيتها ووجودها أو زوالها، وربط ذلك بواقع سوداننا المأزوم. دعونا نتناول فقط مفهوم الدولة الحديثة، دون الخوض في شكل الدولة وبنيتها التاريخية، وذلك ليس تقليلًا أو ابتسارًا، ولكن لضيق المساحة.
إذا أقررنا بأن أنجع التعريفات في علم الاجتماع السياسي، وبالتحديد تعريف ماكس فيبر للدولة بأنها «هيئة بشرية تطالب بنجاح احتكار العنف المادي»، ثم أضاف إليها بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي، ليكتمل التعريف باحتكار العنف المادي والرمزي معًا، وهنا يأتي التساؤل المشروع: كيف لهيئة بشرية أن تطالب باحتكار العنف على مستوييه المادي والرمزي؟ ثم من الذي فوضها للقيام بذلك الدور؟ وهذا ما يقود إلى أنماط الدول ومشروعيتها من حيث التشكل، سواء كانت مستندة في شرعيتها على عقد اجتماعي، أو مشروع غلبة، أو تفويض إلهي.
هذه هي الدولة بمفهومها الحديث، الذي بدأت الصياغة له في مؤتمر وستيفاليا عام 1648، والذي استند إلى فكرة الدولة القومية، مع الاحتفاظ ببعض آراء المفكرين الآخرين أمثال ماركس وإنجلز، الذين يرون أنها جهاز طفيلي أُسس لخدمة المجتمع البرجوازي، ويرتبط وجودها بصراع الطبقات.
المضحك جدًا، يا دكتورة، أن هذا الكائن الذي يُسمى الدولة في السودان، هناك شعوب بأكملها أنماط عيشها غير مرتبطة بها، بل على العكس، إذا اضطرت للتعامل معها يتم التعامل معها بكثير من الكراهية، لأنها في نظرهم مجرد جامع (دقنية وجبايات أو متحصل أو…).
دعونا نتجاوز هذه النقطة لنأتي إلى تحليل د. ناهد لأثر بنية المجتمعات عندما تنهار الدولة:
«حين تتفكك الدولة وتغيب القواعد ويزداد الخوف، تميل المجتمعات إلى البحث عن يقين سريع. هذا اليقين قد يأتي في هيئة شعار، أو هوية، أو بندقية. أخطر هذه اليقينات هو ذاك الذي يقدّم نفسه بوصفه حلًا أخلاقيًا نهائيًا، لا مجرد أداة ظرفية. هنا يبدأ الالتباس بين العدالة والعنف، المظلومية والشرعية، التحرر وإعادة إنتاج القهر».
انتهى الاقتباس.
لا نغفل تحليل د. ناهد، الذي يستند إلى مرجعية علم النفس السياسي، والذي أتفق معه في الكثير، إلا أن اليقين السريع الذي تبحث عنه المجتمعات موجود أساسًا في بنية تلك المجتمعات، ولأن مفهوم القومية لديها أقوى من خلال التاريخ والأسطورة والثقافة وغيرها من المشتركات، من غير تدخل الدولة، التي يُفترض بها صياغة مفهوم القومية السودانوية الموحدة. بدلًا عن ذلك، اختارت أن تضع نفسها في عنق الزجاجة، كما نشاهد الآن. بالمقابل، ظلت جميع المجتمعات الريفية على هذا النمط، مما جعلها بهويات متفرقة.
أما حالة انهيار الدولة، وهنا نقصد الدولة القومية الحديثة التي بُنيت وفق مفهوم الدولة القومية في أوروبا، والتي تم إسقاطها في المستعمرات الأوروبية بعد مؤتمر برلين، إذ تمت هندستها ورسم خرائطها وفق الأطماع الاستعمارية، وفي مخيلتها بنية الدولة القومية (وستيفاليا). ولأننا في السودان نفتقر لمفهوم القومية من أساسه، وبدلًا من خطاب قومي يمثل الجميع، ظلت الدولة تتمترس خلف خطاب قومي عروبي، قسّم السودانيين أنفسهم إلى هويات مستقلة، أخذت الجانب الحذر من الدولة. وهذا كله مرتبط بعنف الدولة التاريخي.
وهنا فإن حالة انهيارها قد لا تعني للمجتمعات الريفية الكثير، فهي قد تكيفت وتواؤمت مع غياب الدولة.
لنكن أكثر صراحة: إن د. ناهد، باعتبارها الحالة القصوى من العقل الوسطي الذي سعى للتحرر وقدم الكثير، لا ترى من الدعم السريع سوى أدوات استخدمتها الدولة المركزية عند الطلب، ويجب عليها أن تحل نفسها وتسلم سلاحها، متجاهلين الواقع المختل لبنية الدولة ومنظومتها الأمنية، التي ظلت مصدرًا لمشروعية العنف، وذلك من خلال الخلل البنيوي الذي صاحبها منذ التكوين.
لذلك لا يجب التعامل مع قوات الدعم السريع باعتبارها الثور في مستودع الخزف، وتأتي الكارثة عندما نستخدم أدوات و«بردايم» الدولة العميقة في التعاطي مع الأشياء. تخيّلوا أن مؤسسة بحجم الحزب الشيوعي تصدر بيانًا تصف فيه حديث الدعم السريع حول برنامجه لإنهاء الحرب في أغسطس 2023 بـ«الصفاقة»! لأن هذا المخيال الاجتماعي الذي يدّعي احتكار المعرفة والعملية السياسية متجذر في أذهان البعض، لذلك لا يرى من الدعم السريع والحركة الشعبية وغيرها سوى مجرد متمردين على الدولة.
الحقيقة أن تأثير قوات الدعم السريع قبل عام 2013 كان محدودًا، ثم إن ظهورها وتكوينها وتشكيلها وتنظيمها ارتبط بشخصية وكاريزما قائدها فقط، وليس لديها أي امتدادات أخرى. هذه القوات، ووفق منطق الدولة الذي بُني على حرب الوكالة منذ نشأتها، قُدّر لها في صيرورة التاريخ أن تشهد نهاية تحطم الأسطورة، وكان ذلك يمكن أن يحدث سابقًا، سواء مع كاربينو كوانجين أو فاولينو متيب أو غيرهم ممن كانوا يُعرفون بالقوات الصديقة.
في وجهة نظري، إن قوات الدعم السريع جاءت نتيجة للخلل البنيوي التاريخي الممتد داخل الدولة، وأصبحت الآن شريكًا أصيلًا في العملية الأمنية في السودان، بل الشريك الأكثر ليونة وإيمانًا بمسألة السلام والحل الشامل، ويظهر ذلك من خلال توقيعها وقبولها وغيره مما يؤكد حرصها وتعاونها. ثم إن وثيقة تحالف السودان التأسيسي ودستور السودان الانتقالي 2025 قد وضعا كل الأطر النظرية وآليات تنفيذها، وهذه وثائق ملزمة للجميع.
السلاح من أجل تحقيق مشروع العدالة:
إن مشروعية سلاح التحرر الوطني مشروعية أخلاقية حتمية لمواجهة صلف الأنظمة التي احتكرت العنف ومارسته ضد شعوبها، ولا يفرق هنا سواء كانت تلك الأنظمة استعمارية أو ما بعدها. في واقعنا السوداني المعاصر، دأبت الأنظمة المركزية على الدوام في محاولة تجريد الريف من أدوات المقاومة، المادية والمعنوية، لتستمر عملية النهب والتدمير الممنهجتين للريف وإنسانه، وهنا تُظهر بندقية الريف أهميتها في حماية الإنسان والموارد.
إن عملية النهب الممنهج تتم ببشاعة، وتُغلّف لموارد قابلة للنضوب، مثال البترول، الذي يتم فيه استخدام الطلمبات الغاطسة ذات الكفاءة الفائقة في الشفط، والتي تُعد نهبية وممنوعة قانونيًا، وذلك خوفًا من صحوة إنسان الهامش الحتمية لوضع يده على الموارد التي تُعتبر ثروة قومية.
إن اقتصاد الحرب الذي تتخوف منه د. ناهد هو اقتصاد متجذر في بنية دولة العنف، إذ ظل الإخوان المسلمون يمتلكون اقتصادًا موازيًا لاقتصاد الدولة، وتراكمت رؤوس أموال طفيلية من خلال الحروب التي دأبوا على إشعالها، حتى أصبحوا ذوي نفوذ كبير شكّل عائقًا أمام تحقيق السلام المستدام، بعدما ظلوا يدعون لاستمرار الحرب إلى ما لا نهاية.
الذي حدث اليوم أن عمليات نهب الموارد المنظمة التي ظلت تنتهجها الأنظمة المركزية المتعاقبة قد توقفت الآن، ولو بشكل مؤقت، خصوصًا المواد الخام. إن شرعية بندقية الهامش لا تستمدها عبر الأطر البيروقراطية التي وضعها «الكمبرادور» للهبوط الناعم، الذي يمسك فيه بخيوط اللعبة، وإنما تستمد شرعيتها من خلال مسؤوليتها التاريخية تجاه حماية شعوبها ومواردهم.
لقد ظل التحالف النخبوي الخفي، الذي يضم المركزيين بكل مدارسهم الفكرية، يسعى لشرعنة عنف الدولة واحتكارها له عبر المنظومة الأمنية الاستعمارية التي هندسها ونجت باشا عام 1925 تحت مسمى قوات دفاع السودان، والتي كانت نتيجة لدمج مليشيات كتيبة عرب الشايقية، ومليشيات البازنقر، والباش بزوق، والتي شكّلت لاحقًا النواة الأولى لما يُعرف بالقوات المسلحة السودانية الآن.
تلك القوات التي لم تتم هيكلتها، أو حتى سودنتها بالمعنى الرمزي، وبالرغم من ذلك يأتيك أفندي بهتاف أجوف: «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل». كيف لجيش استعماري مغتصب وعنصري بغيض، ناهب وقاتل لشعبه من قبل خروج المستعمر، أن يعود إلى الثكنات؟
الكارثة أن هؤلاء الأفندية، بالنسبة لهم، أن الحرب في السودان بدأت في 15 أبريل، متجاهلين سلسلة جرائم الجيش السوداني الممتدة، التي وصلت حد الإبادة الجماعية. إذا كان هناك إحلال، فيجب أن ينحل الجميع، وأولهم ما يُسمى بالجيش السوداني، وتكوين جيش وطني مهني جديد يمثل كل السودانيين…
«نواصل 1–2»
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.