اللاجئون السودانيون في مصر… بين مطرقة بورتسودان وسندان القاهرة

علاء الدين عبدالرحيم خيراوي

ليست المأساة أن يهرب الإنسان من الحرب. المأساة الحقيقية أن يهرب منها، ليجد نفسه مجبوراً بالعودة اليها. هذا هو المشهد الذي يتشكل الآن على حدود الضمير الإنساني، لا على حدود الجغرافيا فقط. سودانيون فرّوا من موت مفتوح، من مدن تحولت إلى مقابر مؤجلة، ومن دولة انهارت فوق رؤوس أبنائها… ليكتشفوا أن اللجوء نفسه صار جريمة، وأن النجاة تحتاج تصريحًا أمنيًا.

في لحظة تاريخية عارية من التجميل، يتحول اللاجئ من إنسان يطلب الحماية إلى ملف أمني، ومن ضحية حرب إلى عبء سياسي. وتتحول الدول التي كان يفترض أن تكون ملاذًا إلى بوابات فرز باردة، تقيس البشر بميزان المصلحة لا بميزان الكرامة. ما يحدث اليوم للاجئين السودانيين ليس حادثًا إداريًا، ولا حملة عابرة، ولا سوء فهم بيروقراطي. إنه لحظة كاشفة تقول بوضوح إن المنطقة دخلت زمنًا جديدًا، زمن تُدار فيه المآسي الإنسانية بعقلية الضبط الأمني، ويُختزل فيه الإنسان إلى رقم قابل للترحيل. وهنا يبدأ السؤال الذي يخشاه الجميع؛ متى أصبح الهروب من الموت… جريمة؟

في الوقت الحالي، يواجه اللاجئون السودانيون في مصر أوضاعًا متوترة بشكل غير مسبوق. فمصر، رغم أنها تستضيف أكبر عدد من السودانيين مقارنة بدول الجوار ، أكثر من مليون ونصف منذ اندلاع الحرب على حسب التقديرات الرسمية، ونحو 834 ألفًا مسجلين لدى United Nations High Commissioner for Refugees حتى نهاية ٢٠٢٥، أصبحت مسرحًا لاحتكاك يومي بين السوداني الهارب من الحرب والدولة المثقلة بأزماتها. الحملات الأمنية المكثفة، خاصة في القاهرة والإسكندرية وبعض المحافظات، لم تعد مجرد تطبيق روتيني لقوانين الإقامة. التقارير تتحدث عن توقيفات في الشوارع، اقتحام منازل، تفكيك أسر، وترحيل سريع حتى لأشخاص يحملون بطاقات لجوء. منظمات حقوقية مصرية وثقت ترحيل عشرات الآلاف حتى نهاية ٢٠٢٥، مع استمرار الحملات في يناير ٢٠٢٦.

محامون وهيئات أممية حذروا من أن هذه الإجراءات قد تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية، في وقت لم تنتهِ فيه الحرب في السودان وما زال خطر العودة قائمًا. لكن الأزمة لا تُختزل في الترحيل وحده. الحياة اليومية نفسها أصبحت اختبارًا قاسيًا؛ بطء تسجيل لدى المفوضية، مواعيد تمتد إلى سنوات، إيجارات ترتفع بلا سقف، خدمات صحية وتعليمية محدودة، وعمل غير رسمي يفتح باب الاستغلال. اللاجئ يعيش في حالة تأهب دائم، يحمل وثائقه كأنها درع هش أمام احتمال التوقيف. صحيح أن بعض العائلات عادت طوعًا إلى مناطق تحسن وضعها نسبيًا، لكن الغالبية ما تزال معلقة بين خوف العودة وخوف البقاء.
ما يجعل هذه اللحظة أكثر خطورة ليس فقط حجم الأرقام، بل طبيعة الرسالة التي تُرسلها إلى اللاجئين؛ أنك حتى لو نجوت من الحرب، فإن حياتك ستبقى معلّقة بخيط إداري رفيع يمكن قطعه في أي لحظة. هذا الإحساس الدائم بعدم الأمان يحوّل اللجوء من حماية مؤقتة إلى حالة خوف مزمن. اللاجئ لا يعيش فقط أزمة سكن أو عمل، بل يعيش أزمة وجود كاملة؛ هل سيستيقظ غدًا في المكان نفسه؟ هل يمكن أن يُقتاد فجأة إلى حافلة تعيده إلى بلد لم يتعافَ بعد من الحرب؟ هذه الهشاشة النفسية والاجتماعية تصنع جيلاً كاملاً يعيش في منطقة رمادية بين الوطن والمنفى، بلا يقين قانوني ولا استقرار إنساني.

وفي البعد الأوسع، يكشف هذا الملف هشاشة النظام الإقليمي في التعامل مع الكوارث الإنسانية. فبدلاً من رؤية اللجوء كمسؤولية جماعية، يتم التعامل معه كعبء يجب دفعه إلى الطرف الأضعف. اللاجئ يصبح كرة سياسية تتقاذفها الأزمات الاقتصادية والسيادية، بينما تغيب آليات عربية حقيقية لتقاسم المسؤولية. وما يحدث للسودانيين في مصر اليوم ليس استثناءً، بل نموذجًا مصغّرًا لكيف تتعامل المنطقة مع الفائض البشري الناتج عن الحروب؛ إدارة الخوف بدل إدارة الحل، وإدارة الحدود بدل إدارة الكرامة.

هنا تحديدًا تتحول تصريحات الدكتورة أماني الطويل إلى نقطة اشتعال سياسي، لأنها تلامس الاتهام الذي يتردد في الشارع السوداني بوضوح جارح؛ أن سلطة بورتسودان لم تعد تنظر إلى اللاجئين كمواطنين هاربين من حرب، بل كخزان بشري احتياطي تريد استعادته قسرًا لإطالة عمر حرب فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية. بعد أن انهارت كل نداءات الاستنفار، وبعد أن تآكلت قدرة السلطة على إقناع الشباب بالموت المجاني، لم يبقَ، في نظر منتقدي النظام سوى خيار واحد؛ مطاردة الأجساد نفسها. الاتهام المتداول ليس رمزيًا، بل مباشر؛ نظام عاجز عن تعبئة شعبه يحاول إعادة تعبئته بالقوة غير المباشرة عبر تضييق المنافي عليه. اللاجئ، في هذه القراءة القاسية، لم يعد إنسانًا يبحث عن النجاة، بل مشروع مقاتل مؤجل تريد السلطة استرداده من حدود الآخرين.

الغضب الشعبي يتضاعف لأن المفارقة مكشوفة إلى حد الفضيحة. الخطاب النقدي السوداني يتحدث عن طبقة سياسية وإسلامية مرتبطة بالحرب لا تدفع ثمنها، بل تعيش خارج دائرتها بالكامل. بينما يُطلب من أبناء الفقراء وحدهم أن يكونوا وقودًا، يعيش أصحاب القرار، بحسب هذا النقد في عواصم آمنة، في بيئات مستقرة، بعيدًا عن الخنادق التي يطالبون الآخرين بالعودة إليها. وهكذا تتحول الحرب، في نظر قطاع واسع من السودانيين، من صراع وطني إلى نظام توزيع غير عادل للموت؛ من يملك السلطة يملك النجاة، ومن لا يملكها يُطلب منه التضحية. لذلك فإن أي تضييق على اللاجئين لا يُقرأ كإجراء إداري بريء، بل كجزء من ماكينة إعادة تدوير البشر داخل حرب تُدار بدم الآخرين. وفي هذه اللحظة، لا تبدو القضية مجرد تنسيق أمني بين دولتين، بل مشهدًا أخلاقيًا فادحًا؛ سلطة تهرب من فشلها العسكري والسياسي… وتطالب شعبها أن يسدد العجز من حياته.

الأخطر في هذا التصور الذي ينتشر بسرعة داخل الوعي السوداني أنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الشك لا الحماية. الدولة التي يفترض أن تكون ملاذًا تتحول إلى مطارد، والمواطن الذي يفترض أن يكون صاحب الأرض يصبح مادة تعبئة. هنا تنهار الفكرة نفسها التي تقوم عليها الشرعية؛ لماذا يعود الناس إلى حرب لا يؤمنون بها؟ ولماذا يُطلب من جيل كامل أن يدفع ثمن أخطاء لم يصنعها؟ هذه الأسئلة، أكثر من أي بيان رسمي، تفسر لماذا أصبحت قضية اللاجئين مرآة لصراع أعمق؛ صراع بين سلطة تريد البقاء بأي ثمن، وشعب يريد النجاة بأي وسيلة. وعندما تصل السياسة إلى هذه النقطة، لا تعود أزمة لجوء… بل أزمة معنى وطن كامل.

السؤال الذي يبقى حاضرًا في وجدان كل لاجئ شاب، هو؛ متى يمكن العودة طواعية؟ العودة الحقيقية لا تُقاس بإعلان سياسي ولا ببيان عسكري، بل بشروط موضوعية يشعر بها الناس في حياتهم اليومية؛ أمان مستقر لا هدنة مؤقتة، دولة قانون لا مزاج سلاح، واقتصاد يسمح بالعيش لا مجرد البقاء. الشباب الذين غادروا لم يهربوا من الجغرافيا، بل من انعدام المستقبل. ولذلك فإن عودتهم لن تُبنى على الضغط ولا على المطاردة ولا على التضييق في المنافي، بل على استعادة الثقة في فكرة الوطن نفسها. حين يشعر الشاب أن حياته لن تُختزل في بندقية، وأن قيمته ليست في عدد المعارك التي يخوضها بل في عدد السنوات التي يستطيع أن يعيشها بكرامة، عندها فقط تصبح العودة ممكنة.

اما المعضلة الذي تواجه المنطقة اليوم ليست مصرية فقط، ولا سودانية فقط بل تتمثل في سؤال اقليمي أوسع، ماذا نفعل حين يهرب الإنسان من الجحيم ويصل إلى بابنا؟ هل نراه عبئًا أم مرآة لاحتمال أن نكون نحن في مكانه يومًا ما؟ اللاجئون السودانيون ليسوا أرقامًا في سجلات الهجرة، بل نتيجة مباشرة لفشل سياسي وعسكري إقليمي يدفع الأبرياء ثمنه وحدهم. وعندما يتحول التعامل معهم إلى ملف أمني صرف، فإن المنطقة كلها تعلن دون أن تقول أن الإنسان أصبح تفصيلًا ثانويًا أمام الدولة. تصريحات المحللين لا تصنع الأزمة؛ الأزمة كانت موجودة في الشوارع، في الحافلات، في مراكز الاحتجاز، في وجوه الأمهات المرتبكات على الحدود. لكن الكلمات أحيانًا تضيء ما كان يحدث في الظل. وما يُترك طويلًا في الظل… يتحول إلى سياسة.

في النهاية، ليست قضية اللاجئين السودانيين اختبارًا للقوانين فقط، بل اختبار للضمير. الدول قد تنجح في ضبط حدودها، قد تنجح في ترحيل البشر، قد تنجح في إخفاء المأساة خلف لغة بيروقراطية باردة… لكنها لا تستطيع الهروب من السؤال الذي سيبقى قائمًا؛ ماذا فعلنا بالإنسان حين كان أضعف ما يكون؟ الحروب تنتهي يومًا ما، والأنظمة تتبدل، والحدود تتغير، لكن ذاكرة الشعوب لا تنسى من ترك أبناءها في العراء. كل لاجئ يُعامل كعبء اليوم سيعود غدًا كحكاية، وكل طفل يُدفع إلى الخوف بدل الحماية سيكبر وهو يحمل جرحًا سياسيًا لن تمحوه البيانات الرسمية. هذا ليس ملف هجرة… هذا سجل أخلاقي يُكتب الآن، سطرًا سطرًا، أمام أعين المنطقة كلها.
وإذا كان العالم العربي قد وصل إلى لحظة يُطارد فيها الهاربون من الموت بدل أن يُحمَوا، فإن الخطر لم يعد على اللاجئين وحدهم، بل على فكرة الوطن نفسها. لأن الوطن الذي لا يتسع لأضعف أبنائه… يضيق في النهاية بالجميع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.