مع إعلان سلطات الخرطوم مواصلة حملات الإزالة.. هل بإمكان الدولة فرض القانون دون سحق الحقوق؟
تحقيق – عين الحقيقة
في مشهد بات يتكرر في مدن العاصمة السودانية، واصلت سلطات الأمر الواقع بولاية الخرطوم حملات إزالة السكن العشوائي بمحلية أمبدة، معلنة إزالة 1134 حالة تعدٍّ في الحارة (26) بمنطقة الصافية، بمشاركة القوات النظامية والنيابة العامة، وتحت لافتة «فرض هيبة القانون». غير أن ما خلّفته الجرافات من أنقاض وأسر مشرّدة أعاد طرح سؤال جوهري: هل يُطبَّق القانون بمعزل عن الحقوق الأساسية؟
تؤكد السلطات أن الإزالات استهدفت مباني شُيّدت دون تخطيط، وأن الهدف حماية الأراضي العامة وتنظيم العمران. لكن البيانات الرسمية خلت من أي إعلان عن بدائل سكنية..
إزالات في سياق ما بعد الحرب
لا تأتي حملة أمبدة بمعزل عن سياق أوسع، إذ شهدت الخرطوم وأم درمان موجات إزالات متفرقة خلال الأشهر التي أعقبت دخول الجيش إلى أجزاء من العاصمة، شملت أحياء وأسواقًا مؤقتة وأكشاكًا أقامها نازحون فرّوا من مناطق الاشتباكات. وفي ظل حرب دمّرت المساكن، وقلّصت فرص العمل، ورفعت الإيجارات إلى مستويات تفوق قدرة غالبية السكان، تحوّل السكن غير المخطط من «مخالفة» إلى ملاذ اضطراري لآلاف الأسر.
الرواية الرسمية وحدودها
تؤكد السلطات أن الإزالات استهدفت مباني شُيّدت دون تخطيط، وأن الهدف حماية الأراضي العامة وتنظيم العمران. لكن البيانات الرسمية خلت من أي إعلان عن بدائل سكنية، أو تعويضات، أو حلول انتقالية، وهو ما يثير انتقادات حقوقية ترى أن إنفاذ القانون، حين يُفصل عن البعد الاجتماعي، يتحول إلى ممارسة قسرية تفتقر إلى العدالة.
نساء فقدن مساكنهن ومصادر دخلهن الصغيرة، وأطفال باتوا بلا مأوى، يمثلون الوجه الإنساني لإجراءات تُدار بلغة الأرقام..
شهادات من الميدان
في موقع الإزالة، نقلت عين الحقيقة شهادات متضررين قالوا إن الحملة نُفذت دون إشعار كافٍ أو ترتيبات إنسانية. يقول أحدهم: «خرجنا من بيوتنا بسبب الحرب، وعندما بنينا هذا المأوى البسيط أُزيل في ساعات. لا نطلب المستحيل، فقط مكانًا نحتمي فيه». نساء فقدن مساكنهن ومصادر دخلهن الصغيرة، وأطفال باتوا بلا مأوى، يمثلون الوجه الإنساني لإجراءات تُدار بلغة الأرقام، بينما تُغفل أثرها على الحياة اليومية للفئات الأضعف.
الإطار القانوني: ماذا يقول الدستور والمواثيق الدولية؟
قانونيًا، يُعد الحق في السكن الملائم حقًا أساسيًا مكفولًا في المواثيق الدولية التي صادق عليها السودان. فـالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينص صراحة على حق كل إنسان في مستوى معيشي كافٍ يشمل السكن، ويُلزم الدول باتخاذ تدابير تحول دون الإخلاء القسري دون بدائل أو ضمانات.
كما تؤكد مبادئ الأمم المتحدة بشأن عمليات الإخلاء القسري أن أي إزالة يجب أن تُنفَّذ كملاذ أخير، وبعد التشاور، وتوفير سكن بديل أو تعويض عادل، خاصة في حالات النزاعات والكوارث. أما على المستوى الوطني، فإن الدساتير السودانية المتعاقبة نصّت على كرامة الإنسان وحقه في الحياة الآمنة، وهي مبادئ لا تنفصل عن الحق في السكن، حتى في ظل غياب دستور دائم. ويرى قانونيون أن تنفيذ إزالات واسعة النطاق في سياق الحرب، دون ضمانات اجتماعية، يضع السلطات أمام مساءلة قانونية وأخلاقية، ويقوّض فكرة سيادة القانون بدل تعزيزها.
خبراء تخطيط حضري أن الحل يكمن في سياسات إسكان شاملة، لا في الإزالة وحدها، محذرين من أن تجاهل جذور الأزمة سيؤدي إلى إعادة إنتاج العشوائيات في مواقع جديدة..
بين التنظيم والتشريد
حتى من بين سكان أمبدة من يقرّ بضرورة معالجة الفوضى العمرانية، إلا أنهم يشددون على أن التنظيم لا ينبغي أن يأتي عبر التشريد. ويؤكد خبراء تخطيط حضري أن الحل يكمن في سياسات إسكان شاملة، لا في الإزالة وحدها، محذرين من أن تجاهل جذور الأزمة سيؤدي إلى إعادة إنتاج العشوائيات في مواقع جديدة.
اختبار الدولة
مع إعلان السلطات نيتها مواصلة حملات الإزالة، تتحول أمبدة إلى نموذج لاختبار أوسع: هل تستطيع الدولة فرض القانون دون سحق الحقوق؟ أم أن الحرب ستظل ذريعة لتغليب المقاربة الأمنية على الالتزامات الإنسانية؟ في مدينة أنهكتها الحرب، لا تبدو معركة أمبدة مجرد صراع على الأرض، بل مواجهة مفتوحة بين نصوص القانون وواقع المواطنين، حيث يبقى السؤال معلّقًا فوق الأنقاض: من يحمي حق السكن حين تُرفع راية هيبة القانون؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.