تجارة الكاش في جنوب دارفور.. عمولات تصل إلى 20% لاستلام الأموال وسط مطالبات بتدخل عاجل لسلطان الولاية
في قلب أسواق نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، العاصمة الإدارية لحكومة السلام والوحدة الوطنية، لم يعد السؤال: “كم معك في حسابك؟”، بل: “كم ستخسر لتستلمه نقداً؟”.
التحويل عبر تطبيق بنكك مقابل الكاش لم يعد يعني استلام المبلغ كاملاً، بل خصماً قد يصل إلى 20% مقابل الحصول على “الكاش” هنا في نيالا وعدد من ولايات غربي السودان، حيث أصبحت السيولة النقدية “سلعة تُباع وتُشترى في السوق”، دون أدنى تقدير لظروف الناس، وتنمو في العلن بلا رقابة حاسمة من السلطات المسؤولة عن أمن ومعاش المواطنين.
فما يحدث في أسواق نيالا ومحليات ولاية جنوب دارفور الأخرى لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل ممارسة منظمة استفادت من شح السيولة النقدية وتوقف كافة البنوك والمصارف منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، وتدهور الأوضاع المعيشية، لتفرض واقعاً جديداً: من يحتاج أمواله نقداً من حسابه، عليه أن يدفع “ضريبة الأزمة” بهذا الخصم الخرافي الذي وصل إلى 20%.
محلات مفتوحة
على مقربة من الأسواق الرئيسية وبعض المرافق الخدمية، تنتشر محالّ تمنح القروش الكاش مقابل التحويل، ويتم تسليم المبلغ نقداً بعد خصم يتراوح بين 18% و20%. والأمر الأخطر أن بعض التجار في السوق أدخلوا قيمة الخصم ضمن السعر الأساسي للسلع في حال احتاج المواطن شراء سلعة عبر التحويل البنكي.
فمثلاً، يبلغ سعر جوال السكر بالكاش 210 ألف جنيه، لكن عند الدفع عبر التحويل تضاف إليه نسبة ما بين 15% إلى 18% كعمولة بنكك.
هذه القضية شكا منها السكان وطالبوا السلطات المختصة بالتدخل لمعالجتها، مع ضرورة وضع سقف محدد لعمولة التحويل مقابل الكاش، على غرار ما فعله سابقاً رئيس الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور، التجاني كرشوم، بوضع سقف 10% لعمولة التحويل مقابل الكاش.
نماذج للمعاناة
قال أحد المواطنين في نيالا، فضّل حجب اسمه لـ»عين الحقيقة»، إنه يضطر لقبول خصم 15% من قيمة تحويل يتسلمه من أحد أقاربه في الخارج، يساعده شهرياً في إيجار المنزل والمعاش، وذلك لأن صاحب المنزل يطالبه بدفع الإيجار نقداً لعدم امتلاكه حساب بنكك.
من ناحيتها، قالت المواطنة سعاد فضل الله عبود لـ(عين الحقيقة) إن هناك جشعاً مبالغاً فيه من بعض ضعاف النفوس، سواء كانوا أصحاب محلات معاملات مالية أو تجاراً أو حتى بعض الجهات الخدمية.
وأضافت بحسرة:
“ياخ ما ممكن إذا أرسل لك واحد من أقاربك قروش عشان تستلمها كاش يخصموا منك 20%، وإذا حنّوا عليك 18%”.
وذكرت سعاد أن ابنها تعرض لكسر وتقرر له إجراء عملية جراحية. وعندما ذهبت إلى المستشفى المعني لتحديد الرسوم، أفادتهم بأن أهلها سيحولون لها المبلغ عبر بنكك، لكن مسؤول التحصيل في المستوصف أخبرها بأن الدفع عبر التحويل سيترتب عليه عمولة إضافية، موازية لعمولة الخصم الموجودة في المحلات بالأسواق.
وأشارت إلى أنها اضطرت للبحث عن شخص يمنحها المبلغ بنسبة خصم أقل، حتى وجدت أحد الأفراد وافق على منحها المبلغ بخصم 14%، ليتمكن ابنها من إجراء العملية.
وطالبت سعاد الجهات المختصة بوضع حد لهذه الممارسات وتحديد سقف واضح للخصم.
شهادات متطابقة تؤكد أن الأمر لم يعد استثناءً، بل ممارسة يومية، خاصة في ظل عدم وجود البنوك والصرافات المالية.
وبحسب مراقبين، فإن المتضررين غالباً هم الفئات الأضعف: المرضى، والنازحون، وأصحاب الدخل المحدود، والطلاب، وأولئك الذين يعتمدون على أبنائهم في الخارج لتوفير تكاليف العلاج والإيجار والتعليم.
أين الجهات الرقابية؟
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تنشط هذه الممارسات علناً دون تدخل من السلطات المختصة في الولاية؟
مواطنون طالبوا السلطات المختصة بولاية جنوب دارفور، خاصة الجهات العدلية والأمنية والرقابية، بالتحرك العاجل لتنظيم هذا الأمر، عبر تحديد رسم قانوني لعمولة التحويل مقابل الكاش، إلى جانب إلزام الأنشطة التجارية بقبول وسائل الدفع الإلكتروني في عمليات البيع والشراء للتخفيف من معاناة المواطنين.
ويرى آخرون ضرورة إلزام المؤسسات الخدمية، وخاصة المستشفيات، بقبول التحويلات مقابل تقديم الخدمات العلاجية.
أزمة ثقة تتسع
استمرار هذه الظاهرة لا يعني فقط خسائر مالية للمواطنين، بل يهدد أيضاً الثقة بينهم وبين الجهات المقدمة للخدمات، سواء كانوا تجاراً أو مؤسسات خدمية أو حتى أولئك الذين يوفرون الكاش ويجعلونه سلعة تُباع في السوق. فهل تتحرك الجهات المعنية في جنوب دارفور لوضع حد لهذه القضية والاستجابة لنداءات المواطنين؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.