لطالما رسمت “الغرف الإعلامية” صورة ذهنية لـ”مستريحة” في شمال دارفور كأنها قلعة حصينة ومدينة استراتيجية تضم جيوشًا جرارة وقاعدة انطلاق لآلاف المقاتلين.
ولكن، بعيدًا عن صخب البيانات العسكرية وهالات الزعامة، تكمن الحقيقة التي لا تمنحها لك سوى الطرق الوعرة وشهادة العين من داخل “الفرقان”.
رحلة الموت عبر “السدارة”:
الوصول إلى مستريحة ليس نزهة، بل هو اختبار حقيقي للبقاء.
في رحلتي عام 2020، سلكتُ طريق “السدارة” الجبلي، وهو ممر يصفه أهل المنطقة بأنه “أقرب إلى الموت من الحياة”. وعورة هذا الطريق وتضاريسه القاسية جعلت منه مقبرة للمسافرين؛ فكم من سيارات انقلبت في منعرجاته الحادة، وكم من أرواح زهقت في وهاده لعدم صلاحيته وخطورته البالغة.
وفي طريقنا ذاك، كانت أطلال القرى المحروقة منذ حرب دارفور الأولى (2003) تقف كشواهد صامتة على تاريخ من الدمار، تُنذر بأن الأمان في هذه البقاع ليس سوى وهم مؤقت وسط كل هذا الموت المتربص.
تيه في جغرافيا الخوف:
لم تكن التضاريس وحدها هي العائق، بل كان “الخوف” هو المرشد المضلل.
ضللنا الطريق، وقابلنا أحد “الأبالة” الذي تعمد تضليلنا وتوجيهنا نحو جبل عامر. وصلنا ليلًا إلى “حلة” صغيرة يسكنها الرعب؛ حيث أغلق الجميع أبوابهم في وجوهنا، حتى إمام المسجد أغلق مسجده ولم يستجب لقرعنا للأبواب، خوفًا من بطش جنود الدعم السريع القادمين من جهة الجبل في ذلك الزمان.
لقد وصل الرعب إلى حد أن الكلب الرابض أمام المسجد بدا وكأنما تم تدجينه على الصمت، فلم ينبح إلا مع شروق الشمس حين خرج أحد أبناء الحلة ليدلنا على الدرب الصحيح.
تلك الليلة كانت تجسيدًا لواقع إنسان تلك “الحلال”، حيث الحياة “سر” يُخبأ خلف الأبواب المغلقة.
الحقيقة السكانية: “فرقان” خلف الأسوار
عندما وصلنا أخيرًا إلى مستريحة، لم نجد المدينة التي يصورها الإعلام اليوم، بل وجدنا “فرقان” بسيطة.
حضرتُ وقتها مؤتمرًا للقبيلة ضم وافدين من دمر بعيدة، ومع ذلك لم يتجاوز الحاضرون ثلاثمائة شخص، بينما سكان مستريحة الأصليون لا يتجاوزون 150 نفسًا.
فكيف لهذه الفرقان، بحجمها البشري المتواضع، أن تستوعب فرية “عشرة آلاف مقاتل”؟ وكيف لها أن تدير ترسانة أسلحة أُسقطت لها عبر “الأنتنوف”؟
خديعة العمران والظلام الدامس
المفارقة في مستريحة تكمن في بنيانها؛ فالقرية بأكملها مشيدة من المواد الأولية (القش والحطب)، والمنزل الوحيد المبني بمواد ثابتة هو منزل الشيخ موسى هلال، بسوره الكبير المشيد من الطوب. وحتى خلف ذلك السور كانت المباني من القش والحطب.
أما الصوالين الفخمة التي تظهر في فيديوهات الإعلام فما هي إلا إضافات حديثة التشييد، بينما يغرق الواقع خلف الكاميرات في ظلام دامس؛ فلا كهرباء ولا مصدر للضوء سوى ضوء القمر.
إن مقولة إن هناك جيوشًا مدججة ستحرر دارفور ما هي إلا “بندق في بحر”.
إن استخدامي للمثل “بندق في بحر” هنا هو أبلغ وصف لحالة “الجعجعة بلا طحين”. لقد صُنعت هالة إعلامية ضخمة حول مستريحة، ولكن حين دقت ساعة الحقيقة في المواجهة الأخيرة تبخرت تلك الوعود بالبطولة، وفرّ القائد تاركًا تلك الفرقان تواجه مصيرها أمام قوة باطشة وغير متكافئة.
إن إنسان تلك الفرقان البسيط لا يستحق أن يُزج به في صراعات، أو أن يُستخدم كدرع بشري لبطولات ورقية تتلاشى عند أول هجوم. إن تحويل “حلال” بسيطة إلى “هدف عسكري” عبر التضخيم الإعلامي، ثم ترك أهلها لمصيرهم، هو مأساة حقيقية في حق هؤلاء البسطاء الذين يستحقون التنمية والأمان، لا أن يكونوا ضحايا لأوهام الزعامة التي تتركهم وحيدين في مهب الريح.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.